استوطن وجدان المشاهدين وبقي في ذاكرتهم … شخصية «أبو عنتر» جزء من موروثنا الشعبي

771

وائل العدس

ارتبط تاريخه وعلاقته مع الجمهور بشخصية «أبو عنتر»، ورغم تقديمه لعشرات الشخصيات المختلفة تظل هذه الشخصية لصيقة به.
أكثر من 40 عاماً قضاها النجم السوري الراحل ناجي جبر، بين التلفزيون والسينما والمسرح، صاغ خلالها حضوره في المشهد الفني السوري بعيداً عن ضجيج النجومية، قبل أن يغيب منذ ثماني سنوات إثر مرض عضال في الرئة عن عمر 63 عاماً.
حياة الراحل كانت حافلة بالعطاء وكان أحد أركان الحركة الفنية في سورية، وما زاد الجرح عمقاً أن رحيله جاء بعد ثمانية أشهر من رحيل محمود الشقيق الأكبر.
وبشهادة زملائه الفنانين، كان مثالاً يحتذى به في أخلاقه وأدبه وحسن تعامله وعشقه المجنون للفن واجتهاده الدائم.
الراحل من مواليد مدينة شهبا في محافظة السويداء عام 1945، انتسب لنقابة الفنانين عام 1972، وبدأ مسيرته في المسرح القومي والعسكري في سورية وشارك في أعمال تلفزيونية ومسرحية وسينمائية كثيرة.
ينتمي الراحل إلى عائلة فنية عريقة، فهو شقيق الممثل الراحل محمود جبر، والممثل هيثم جبر، وعمّ الممثلتين ليلى ومرح جبر، ووالد مضر جبر، وجد دانا جبر.
ونشأ على حبه للفن وكانت البداية من خلال المسرح المدرسي لينتقل تدريجياً إلى العمل الفعلي في التلفزيون السوري من خلال «أولاد بلدي» و«حكايا الليل» وذلك قبل أن ينضم إلى أسرة «صح النوم» والعمل إلى جانب دريد لحام ونهاد قلعي في أعمال أخرى.

أبو عنتر
«أبو عنتر» أو «ناجي جبر»، أو العكس، كلتا الشخصيتين تماهت بالأخرى حتى ترسختا في ذاكرة أبناء الوطن العربي، ممثلة لهم تراثاً كاملاً من الكوميديا الممزوجة بمجموعة من القيم التي حاولت تلك الشخصية أن تجسدها.
ورغم التغير الذي طرأ على الدراما وجمهورها، منذ ظهور شخصية «أبو عنتر» في مسلسل «صح النوم»، إلا أن هذه الشخصية بقيت صامدة بوجه كل تلك التحديات، والتي أداها الراحل بكل إتقان وحرفية.
وستبقى هذه الشخصية زمناً طويلاً في ذاكرة الناس نتيجة ما كانت تتمتع به هذه الشخصية الفنية من صفات الفرح والمرح وخفة الدم جعلتها تستوطن وجدان المشاهد العربي من المحيط إلى الخليج.
وقليلون هم الذين يعرفون كيف لبس هذه الشخصية وأضاف عليها الكثير حتى غدت بهذه الشهرة وبهذا الحضور اللافت.
شخصية «أبو عنتر» كما شخصيات «فطوم وغوار وأبو كلبشة وحسني البورظان» غدت جزءاً من موروثنا الشعبي وأضحت شخصية شهيرة ومحبوبة على مستوى الوطن العربي.

شخصيات متنوعة
على الرغم من اقتران اسمه بشخصية «أبو عنتر» إلا أنه نجح في الخروج من عباءتها ليقدم عدة شخصيات متنوعة وناجحة.
فقدم شخصية القبضاي في «أيام شامية»، وعاد ليقدمها في «الخوالي» مع المخرج بسام الملا، بعدها قدم دوراً بعيداً عن تقليدية الأدوار التي قدمها، حين أدى شخصية مسؤول كبير في مسلسل «غزلان في غابة الذئاب» للمخرجة رشا شربتجي، أما آخر أدواره فكانت شخصية «أبو راشد» الأب القوي والمتزن في مسلسل «بيت جدي»، وهو بغجاتي الحارة صاحب محل الحلويات، فكان آخر مشاهده في الحياة الفنية تتويجاً لأربعين عاماً مع القوة والرجولة والشهامة والإباء ورفض الذل، حيث كان خنجره الذي حمله على خصره أربعة عقود ولم يقتل به أحداً، حاضراً في المشهد التمثيلي الأخير له في قتله «صبري أفندي» ثأراً لقتل الأخير ولده «عجاج»، وبينما كان يحضر نفسه للجزء الثاني، وافته المنية في دمشق.
أبرز أعماله

من أشهر أعماله في الدراما التلفزيونية «ملح وسكر» 1973، و«صح النوم» 1974، و«وين الغلط» 1979، و«وادي المسك» 1982، و«أيام شامية» 1992، و«يوميات أبو عنتر» 1996، و«عودة غوار» 1999، و«الخوالي» 2000، و«أبو المفهومية» 2003، و«غزلان في غابة الذئاب» 2006، و«أسير الانتقام» 2007، و«أولاد القيمرية» و«بيت جدي» و«أهل الراية» 2008.
وفي السينما تبرز أفلام «غرام في اسطنبول» 1966، و«عودة حميدو» 1971، و«صح النوم» و«غراميات خاصة» و«فاتنة الصحراء» 1974، و«العندليب» 1975، و«صيد الرجال» 1976، و«شيطان الجزيرة» و«زواج على الطريقة المحلية» 1978، و«حارة العناتر» 1980، و«سواقة التكسي» 1989.
وفي المسرح عمل مع أخيه محمود جبر في عدة مسرحيات مثل «سراديب الضايعين، و«ترفيع استثنائي» وغيرهما، وقد حققت أعماله المسرحية المتتالية نجاحاً واسعاً ولاسيما مسرحيته «ليلة أنس» التي استمر عرضها ست سنوات ومسرحية «إعلانات قاووش خمس نجوم» التي دام عرضها أكثر من عامين.
ومن مسرحياته أيضاً «ليلة أنس»، و«اليوم أحسن من بكرا»، و«مغامرة رأس المملوك جابر».
لقاء لا ينسى

تحدث الفنان الراحل في أحد لقاءاته عن لقائه السيد الرئيس بشار الأسد فقال: كان اللقاء حميمياً استمر لمدة الساعتين تقريباً، فهو الأب والأخ ويحب رعيته ويساعد الجميع، وهو رجل بكل ما تعني الكلمة من معنى، وحنون جداً ويعرفنا كفنانين ويتابعنا منذ طفولته فهو ابن البلد، وجلستي معه لا تُنسى، فهو كريم بأخلاقه وتواضعه، وعندما كان يتحدث معي كان يتحدث بحب وإعجاب فقد سألني عن أخي الأستاذ محمود جبر وعن أوضاع الفنانين وأخبارهم».

نعمة من الله
أنت متهم بتغليب وتصدير اللهجة السورية للعالم العربي على حساب اللغة العربية، بماذا ترد؟ سؤال أجاب عنه جبر في لقاء صحفي: «هل كان المطلوب مني أن أتكلم باللغة الفرنسية أو الإنكليزية مثلاً؟، فأنا لم أتحدث إلا باللغة العربية وباللهجة العامية الدمشقية التي هي قريبة إلى حد بعيد من الفصحى، ثم إنني قدمت أنا والأستاذ دريد لحام عدة أعمال شاهدها الجمهور العربي، وبالنهاية أنا ممثل أقدم كل الأدوار ولا ألعب فقط دوراً شعبياً، وبالمناسبة أتحدى أن يجسد أي ممثل سوري أو عربي غيري دور «أبو عنتر» أو «سيفو العكر» أو «صياح» أو حتى «نمر»، لكنني أستطيع أن ألعب كل أدوارهم وهذا هو الفرق بيني وبين بعض الناس، ومن دون غرور هذه نعمة وملكة من اللـه سبحانه وتعالى.
وحول قرار الاعتزال قال جبر قبل وفاته بعام واحد: «الفن يسري في عروقي، ولا يمكن ولو للحظة التفكير بالاعتزال، فأنا مازلت مفتوناً بذاك الطفل البريء الذي يستصرخ أحلامه الضائعة، «أبو عنتر» ظل واقفاً كالمارد على خشبة المسرح رغم كل الظروف الحرجة التي مرت بالمسرح، وفي كل عام يتحفنا برائعة مسرحية جديدة، يحاكينا ونحاكيه، نرسم له إيقاعات الحياة ويبادرنا بتلوينها، هاجسه الكبير أن يضيء شمعة وحلمه البعيد أن يرى الناس ترسم البسمة الحقيقية على شفاهها».

أحلى ذكريات
وفي أحد تصريحاته الصحفية، تحدث النجم الكبير دريد لحام عن بعض ذكرياته مع ناجي جبر وقال: إنه كان يشعر بالراحة لوجود ناجي قربه أثناء التصوير، وذكر أنه خلال تصوير مشهد تشابك بينه وبين «أبو عنتر» في آخر حلقة من المسلسل الشهير «صح النوم» في الاستديو، اضطر المصورون للتدخل لفك الاشتباك الذي تحول إلى شجار حقيقي بسبب اندماج جبر في الدور.
وقال دريد لحام: إن «أبوعنتر» شاركه في 3 مسلسلات من أصل 7 خلال مسيرته الفنية، وأضاف: «برحيله فقدنا واحداً من أواخر الرجال المحترمين الملتزمين بالصداقة وحب المساعدة».

المصدر: الوطن

بدون تعليقات

اترك رد