بقلم نارام سرجون: جريمة ودم في السماء .. هل تستجوب حلب مدافع جهنم أم قاذفات السوخوي؟؟

782

منذ أن خاض الانسان في ماء البحر وهو يعلم أن أهم مهمة له هي أن لايذعن للموج والرياح .. لم يتمكن من ترويض قطعان الموج وثيران البحر الزرقاء التي مزقت له الأشرعة والقوارب بقرون الاعاصير .. ولكن سفنه التي كانت سروجه الخشبية التي وضعها على ظهر الخيول الجامحة للبحر تمكنت من أن تحطم حصون المحيط الزرقاء .. لأن السفن صارت تعلم لغة الموج ولغة الريح ومزاج الهواء والمطر فتتجنب ثيران وقرون الأعاصير ..

نحن ومن درس الجريمة الأخير في حلب لانزال نرى أن قواربنا وسفننا لاتزال تتصرف وكأنها في المدرسة الابتدائية للبحار والعواصف والأعاصير .. وهي ليست وحيدة لأن العالم كله يتصرف بسذاجة أمام الموجة الاعلامية التي تحمل العالم كله وتطوح به كما تطوح الموجات العاتيات القشة الصغيرة وتلهو بسفينة لاحول لها ولاقوة ولامحركات .. تتقاذفها بين موانئ الدموع والتفجع وبين شواطئ الغباء .. وصخور الانتهازية والنفاق والتجارة .. ومرافئ الخوف من التوبيخ والتقريع ..

لاحظنا أن الحرب علينا بدأت بكذبة عن أطفال درعا التي تحولت الى يقين كما أنها وردت في القرآن رغم عجز العالم عن تصوير ظفر واحد مقتلع .. وحملتنا موجة المتظاهرين السلميين الذين قتلونا ولم نقدر أن نوقفهم .. وبعضهم صنع من كذبة قطع قضيب مراهق جبالا من الموج الجارف .. منذ تلك الأيام لاحظنا أننا نشبه من يركب سفينة تسير بها الموجات العاليات وتهوي بها دون أن يكون لدينا القدرة على ايقافها فنكتفي بالتمسك بالصواري والحبال والأشرعة كالبحارة المبللين الذين تميل بهم السفينة يمينا وشمالا وينقلها ثور البحر من قرن الى قرن وهي معلقة به … صحيح أن السفينة لم تغرق وصحيح أن الثور قد كسرت قرونه ..لكن لاتزال السفينة معتمدة على طاقة الرياح وأجنحة الأشرعة .. انها سفينة قديمة تواجه اعصارا .. وعلينا أن نترك المجاديف وقوارب النجاة .. ونتوقف في أقرب ميناء ونركب سفينة عصرية لها محركات ضخمة تفرم لحم الموج العاتي وتمسك عنق الموج ولايمسكها .. فمنذ خمس سنوات ونحن ننزل في نفس ماء النهر الذي قال عنه هيراقليطس بأنه لايمكننا أن نقفز في نفس ماء النهر مرتين .. ولكن لانزال نقف عن نفس الضفة وننزل في نفس الماء الراكد .. وأحيانا يقفز نفس الماء علينا ويغمرنا .. مرارا ..

لو نظرنا الى هاشتاغ (حلب تحترق) الذي صنع في معامل الاعلام الصهيوني وتم توزيعه على محطات العالم والمعارضة لوجدنا أنه نفس الثور الذي طعن شراعنا منذ خمس سنوات .. وبنفس الطريقة .. وبنفس السفالة والحقارة والانتهازية والتزوير والفبركة والتضليل .. ولاينقصه سوى أن يعقد مجلس الأمن جلسة كذب ونفاق تحت دعوة الى تطبيق الفصل السابع .. أي لايزال المجرمون يقوم المجرمون بالجريمة ثم يطلقون موجة عاتية من الموج والهاشتاغات الطاغية كالطوفان بألوان لاتحصى وتغريدات بلانهاية وتوزع كما لو كانت هدايا بابا نويل أو وصية من وصايا المسيح يحملها الرسل .. منذ مأساة بابا عمرو التي كانت مسلخا ومذبحا وأوكار اغتصاب واذلال الى كل العمليات الانتحارية التي نسبت كلها للأمن السوري الى ان بدأت جبهة النصرة تفرج عن تلك الأسرار والأسماء التي ارتكبتها .. الى مجازر حمص الشهيرة في الحولة التي قامت بها المجموعات المسلحة علنا ودون خجل ثم بكت أمام العالم ومجلس الأمن على الضحايا الذين قتلتهم فجرا .. الى مجازر الغوطة التي ذبح فيها الناس ثم تم تصوير الذبائح بعيونها الجامدة على أنها ضحايا النظام الذي انتقم من المتظاهرين السلميين .. وكانت الضحايا تنظر صامتة عيونها في الكاميرات .. فماذا تقول جثث قتلت مرتين؟ .. مرة عندما قتلت على يد المعارضة ومرة عندما نسبت الجريمة لمن هو بريء .. كانت تلك العيون الجامدة تقول لمن يصدق تلك المزاعم: انتم أيضا قتلة … عندما تصدقون قاتلا .. من يصدق قاتلا فانه ليس شريكا في جريمته فقط بل هو قاتل مثله .. لأن ارغام الجثث على الشهادة الكاذبة وقبول ذلك دون تحقق هو قتل لها في عليائها ودم يجري في السماء ..

وبالطبع قامت الموجة الاعلامية العاتية بصب الماء على أيدي القتلة وغسلتها من الدم ثم غسلت السكاكين وشطفت الأرض من آثار الدم .. وغسلت الثياب الملوثة بدم المنحورين ونشرتها حتى جفت على محطات الجزيرة و(البي بي سي) وال (سي ان ان) وآلاف المواقع العربية والدينية وأظهرتها ثيابا طاهرة بيضاء كأجنحة الملائكة ثم جاءت بالأصبغة الحمراء ورمتها علينا وعلى وجوهنا وكأننا القتلة .. ونسجت أساطير عن التعذيب وعن قيصر السخيف الذي لايزال يخفي وجهه وكأن من يفرّ من وظيفته لن تعرفه الدولة .. وهو يخفي وجهه لأنه شخصية تمثل دور الشاهد ..والفضيحة ستكون أنه لو كشف عن وجهه فسيظهر أنه لا يوجد له سجل في موظفي الدولة .. وربما ليس مواطنا سوريا ..

وفي كل جريمة ترتكبها المجموعات المسلحة نجد اعدادا وتنسيقا كاملا بين القذيفة وبين القاتل والمشاهد الذي يصدق مزاعم المجرمين .. تسقط القذيفة فتقتل ضحية بريئة .. وتصعد روحها الى السماء .. وفي السماء تلاحقها سكاكين الكذب وتقتلها ثانية في السماء .. ويسيل دمها في السماء أمام الله .. وهي تكاد لاتصدق .. فالجريمة الثانية في السماء يقوم بها كل الناس الذين يروجون لمزاعم المجرمين القتلة .. ويتحدثون عن البراميل المتفجرة وجرائم النظام .. انها جريمة مزدوجة يرتكبها كل من يصدق القتلة ويقتل الضحايا في السماء .. ويهدر دمهم أمام عرش الله .. فهذه أول مرة في التاريخ تقوم فيها الجريمة أمام عدسات التلفزيون والمشاهد حية ولكن المجرم لايعبأ بالمصورين ولابالقضاة ولابرجال القانون ولابرجال الدين ولا بالله ولاكتب الله .. ولابالضحية .. فهو يطلق قذيفة .. ويطير مع القذيفة مراسلون وكتاب وممثلون وفنانون وشخصيات سياسية تغطيها .. ويشكل هؤلاء درعا بشرية حول القذيفة كي لانراها وهي تقتل .. وبعضهم يغطي بجسده وشهرته وبصوته وموسيقاه وأغانيه أزيز القنبلة وصفير القذيفة والصاروخ .. وبعضهم يهبط قبل القذيفة أحيانا .. على جسد الضحية .. ويبكي عليها قبل أن تموت بالقذيفة ..ويشهد أمام الله أن اسطوانة الغاز هي برميل مضغوط صنع في قصر الشعب .. وأن قذيفة الهاون هي صاروخ سكود أطلقه الأسد من غرفة مكتبه .. ومن تحت طاولته ..
هناك تجنيد رخيص وشراء للذمم وهناك شخصيات تخشى اللوم ان صمتت وترغم على أن تخلع ثيابها لتغطي بها جسد القذيفة وأسطوانة الغاز وتسترها وهي تقتل الأبرياء .. ويقول صاحب الثياب العاري أن ثيابه تحجب صاروخ سكود أو برميلا ..!!ورأينا نفس المشاهد الخليعة والتخلي عن الثياب لستر المجرمين في كذبة جياع مضايا .. وجياع الزبداني ..

لو سألت أي سوري كيف يؤذيه الحديث عن حريق حلب ومجاعة مضايا وغيرها لوجدت أن الجميع مستاء وغاضب لأنه يعرف أن الأكاذيب صارت تتحداه شخصيا وأنها تريده أن يخلع ثيابه ليمشي مع العراة وأن يقتلع عقله بسبب ضراوة الموج العاتي .. وعليه أن يقول بأن اسطوانة الغازهي برميل متفجر وأن مدفع جهنم هو منصة اطلاق صواريخ سكود .. وربما سيارة الدوشكا هي طائرة سوخوي 35 روسية تقلع من باب الحارة .. وللمفارقة تذكرني هذه الايام بنكتة كنا نرددها عن أجهزة الامن العربية “الديكتاتورية” التي تقول النكتة أن فريقا امنيا عربيا كلف بالبحث عن غزال شارد .. لكن الفريق الاستخباري الذي خرج للبحث تأخر ولم يعد .. فبدأ البحث عنه .. وبعد طول عناء وجدوا الفريق الاستخباري يمسك حمارا ويجلده ويقول له: اعترف أنك غزال !! .. واليوم للأسف تحولت النكتة الى حقيقة تمارسها المعارضة وجمهور عربي لايشبه الا قطعان سمك السردين حيث يقف المشاهير والسياسيون والممثلون والشخصيات العامة في نفس موقف الدعابة ولكن على أرض الواقع دون تزييف .. فهؤلاء يمسكون حمارا ويجلدونه ويطلبون منه أن يعترف أنه غزال .. فما هو الفرق بينهم وبين النكتة المذكورة ؟؟.. فهؤلاء المشاهير ورجال الدين يمسكون أسطوانة غاز ويضربونها ويعذبونها لتعترف أنها برميل متفجر خرج من مكتب الرئيس الأسد .. ويجلدون قذيفة هاون ويقولون لها: اعترفي أنك صاروخ سكود أطلقه الأسد !! هؤلاء لايعرفون الفرق بين الحمار والغزال طبعا .. وبين اسطوانة الغاز وصاروخ سكود .. وبين سيارة دوشكا وطائرة سوخوي 35 ..

هذه الحالة من الاستسلام للموجة الاعلامية الكاذبة المنسقة ولسمك السردين الذي يهز السفينة فيلجأ البحارة الى التشبث بالحبال والصواري لايجب أن تستمر .. بل يجب أن نمسك الموج من لجامه ونربط بالحبال قرون الاعلام ان لم نمتلك قرونا مثلها .. وخاصة أن وسائل التواصل الاجتماعي التي تلعب دورا هاما ليست نشاطا عفويا بل صار موجها وتتحرك جموع الناس خلفه كما تتحرك أسراب السردين في البحر .. بحركة واحدة واتجاه واحد كأنها كتله واحدة .. وهناك مواقع وهمية تخضع للمخابرات الغربية والاسرائيلية وتتبعها مواقع تابعة للمخابرات السعودية والخليجية وغيرها تقوم بوضع العناوين وتنشرها وفق متوالية هندسية بحيث تتكاثر وتنتشر وكأن من يكتب ويوافق ملايين الناس مما يخلق موجة صناعية طاغية من الرأي العام .. تقنع كثيرين أن اتفاق هذا العدد من الناس على اختلاف مشاربهم وألوانهم الاجتماعية يعني أنهم اجتمعوا على حقيقة لايمكن التصدي لها بل الذهاب مع سمك السردين والذوبان والخضوع للقطيع وتسليم العقل باذعان واستسلام كما يستسلم جسد الميت لمن يغسله ويكفنه .. ومايحدث هو أن هؤلاء يتم الباس عقولهم المستسلمة أكفانا هي الهاشتاغات والتغريدات .. تلفّها وتطوف بها قبل أن تدفنها في مقابر الجهل المطبق ..

لايجب أن ننتظر عند ضفة النهر الراكد ونقفز في نفس الماء الذي لايزال راكدا ولم تتحرك قطراته .. وأعتقد أن من يوجه هذه الموجة ويأخذ قطعان الناس والفنانين ورجال الدين والممثلين كالبهائم والأغنام لتتعاطف مع الذئب وتشتم الراعي هو مجموعة اعلام متمرسة ولكن صارت وسائلها معروفة وطرق احراجها للمشاهير وابتزازها لهم وأسلوبها الشاذ في رشوتهم وشرائهم مكررا ويجب ان تتم ملاقاتها في كمائن ونقاط ضعف .. ولايكفي شريط “التضليل الاعلامي” وحده لاظهار التزوير بل يجب توجيه موجات الغضب الجماهيري علنا على وسائل الاعلام على هذه الشخصيات العامة والمشاهير الذين يتورطون في دعم الحملات الاعلامية من باب أنهم يتعاطفون انسانيا أو انهم مخدوعون .. لأن لاأحد في العالم صار مخدوعا .. اللعب الآن على المكشوف .. والبيع في المواقف على المكشوف .. السياسيون لهم حساباتهم ومكاسبهم وكذلك المشاهير .. ولاشك ان اسقاط هذه الشخصيات جماهيريا عبر اظهار الغضب الشعبي العارم عليها بالرسوم والدراما السريعة والحملات المضادة الكبيرة والكوميديا السوداء ونقل ماتكتبه صفحات السوريين على الفيسبوك عن هؤلاء اللصوص المرتشين واسماك السردين الذين يلبسون الاكفان في عقولهم كلما نادى المنادي .. هذه الأنشطة هي التي ستجعلها تفكر بأن لاتخلع ثيابها وتقف عارية من أجل أن تغطي اسطوانة الغاز وتسميها برميلا وتسير أمام أفيخاي ادرعي ترقص معه كالجارية على أنغام (حلب تحترق) .. فربما ان الاشارة الى العراة علنا قد يجعلهم يتمسكون بثيابهم قليلا أو ببعض منها على الأقل .. ويردع آخرين فيلزمون بيوتهم .. أو مقاهيهم أو مخادعهم ..

وقد استمعت منذ فترة الى تحذير حقيقي واستشراف ذكي للمستقبل قاله الأستاذ ناصر قنديل في برنامجه (ستون دقيقة مع ناصر قنديل) وفيه حذر قادة محور المقاومة – عندما قررت مصر بأوامر سعودية ايقاف بث قناة المنار على النايل سات – من أن اسكاتنا فضائيا اليوم لايجب أن يجعلنا نسترخي يبن البدائل موجودة .. لأن الحقيقة أن هذه البدائل في معظمها بيد أعدائنا .. فكل محركات ومخدمات الانترنت في العالم موجودة لدى العدو في اميريكا وكندا واستراليا والدول الغربية .. وسيكون الانترنت يوما محظورا علينا والغوغل واليوتيوب .. والفيسبوك .. ونجد أنفسنا بلا فضاء .. ولا انترنت .. ولا شيء سوى العاصفة .. ونؤخذ على حين غرة من جديد .. تتقاذفنا الأمواج العاتية .. ونتمسك من جديد بالصواري والحبال .. كما حدث عندما كانت الجزيرة تنقل لنا أخبار المقاومة اللبنانية والعراقية وتؤلب الناس على الغرب وتغضب معنا .. وفجأة وجدنا أنها العاصفة .. وأنها تحرك الموج المجنون .. ولذلك فان الرأي السديد كما يرى الأستاذ قنديل أن نتحرك نحو تكوين كتلة اعلامية أو اعتماد نموذج مستقل من روح الاعلام الاجتماعي والالكتروني والفضائي لايمكن ابتزازه .. أو ايقافه ..او امتطاؤه للسطو على عقول الناس ..

حلب لاتحترق .. بل حلب تقصف باسطوانات الغاز ومدافع جهنم .. والدم لايسيل في شوراع حلب .. بل يسيل في السماء أيضا من نفس الضحايا الذين يقتلون مرتين .. والسفينة التي صارعت الموج .. آن الأوان أن يخشاها الموج .. وأن يخشاها من يحرك الموج .. وآن الأوان لأن تتحرر من نزق الطوفان المفاجئ .. وآن لنا أن نحقن الدماء في السماء .. حلب لاتحترق .. بل عليها أن تستجوب كل من شارك في “الجريمة في السماء” .. وأن تستجوب كل المتفجرات وقذائف الموت ومدفع جهنم .. وكل شهود الزور الذين أكلوا في بطونهم من لحم الحلبيين .. وأرغموا مدافع حهنم على أن تعترف على أنها صواريخ سكود .. وقنابل وسوخوي ..

بدون تعليقات

اترك رد