الأسعد ….خالداً وحارساً لتدمر وحسنائها

430

“حطمت زنوبيا قيودها، فعادت تدمر وإن كانت لم توغل في الابتعاد؛ وأضاء وجه حسنائها الجميلة بابتسامة ودمعة لا بد منها وفاء لسوري عظيم سوف يذكر التاريخ خجلاً؛ كيف تجرأت أيدي برابرة العصر فأنهت حياة العالم الثمانيني الذي أمضى جلّها متعبداً في محراب العشق والوفاء لمدينته تدمر، الأمر الذي كان أحد أهم البنود في لائحة ذنوبه والتي أعدم على أساسها، ما شكَّل صدمة وحزناً للعالَمَ برُمّته، لما يتمتع به الأسعد من الاحترام والتقدير إلى درجة أن يعلن وزير الثقافة الإيطالي داريو فرانشيسكيني؛ تنكيس الأعلام في كل المتاحف والمراكز الثقافية التابعة للدولة الإيطالية؛ تكريما للرجل الذي أعدمته داعش. بينما أعلن رئيس الوزراء ماتيو رينزي أن “احتفالات الوحدة” التي ينظمها حزبه، ستقام تكريماً لخالد الأسعد قائلاً: “لا تستسلموا للهمجية أبداً”.
عالم الآثار الذي تعددت أسماؤه وألقابه من عاشق تدمر إلى متصوفها فالأمين عليها، هو خالد الأسعد وهو ابنها الذي ولد على أرضها بالقرب من معبدها “بل” وبقي فيها وفياً لحبها حتى الرمق الأخير، أكبر من مجرد عالم آثار هو، تخرّج في جامعة دمشق، عمل في مديرية آثارها، ثم انتقل للعمل في قصر العظم، إلى أن ناداه هوى تدمر فاستلم مهمة مدير الآثار والمتاحف فيها.
إليه يعود الفضل في العديد من الاكتشافات الأثرية، لكن أهم ما يسجّلُ له هو الاهتمام العربي والعالمي الذي استطاع جذبه إلى مدينة تدمر؛ من خلال تطويره للمؤسسة الأثرية فيها، وتكريسه كل جهده للتعريف بالمدينة وقيمتها على كافة الصعد “حضارياً، ثقافياً وتاريخياً” مرتكزاً في عمله على إيمانٍ عميقٍ بأنها تشكل كنزاً حقيقياً لا بد من الحفاظ عليه، فعمل جاهداً على نشر حكايتها بكل الطرق حتى باتت مقصداً للسياحة حاز الاهتمام “عربياً وعالمياً” بينما كان يكرر القول لمعارفه: “أتمنى لو أستطيع استقدام السوريين جميعهم إليها، فقط كي يتبينوا عظمة التراث التدمري” هذا التراث الذي وهبه سني عمره وافتداه بحياته في النهاية.
ويسجّل للعاشق أيضاً كشفاً تم تصنيفه حسب المعايير الأثرية العالمية كأجمل المنحوتات وأروعها على الإطلاق؛ هو منحوتة الحسناء التدمرية، وعلى يديه أيضاً تم الكشف عن مدافن العديد من الأسر التدمرية منها مدفن عائلة” بولحا بن نبو شري” ومدفن أسرة “زبد عته” و”بورفا بولحا” و”طيبول” وأشرف على ترميم بيت الضيافة، وشارك في إعادة بناء وترميم أكثر من 400 عمود أثري يشهد عليها شارع المدينة الطويل، ومعبد بعلشمين، اللات، وأدراج مسرح المدينة، وسورها الشمالي، والأعمدة التذكارية الخمسة، بالإضافة إلى أعمدة مدخل حمامات زنوبيا، وأسوار وقاعات وأبراج وممرات قلعة فخر الدين، أيضاً قصر الحير الشرقي. والعديد من الأعمال حيث تطول القائمة.
العالِم الذي عمل مع العديد من البعثات الأثرية العالمية الأمريكية والفرنسية الإيطالية والألمانية وسواها الكثير؛ نال العديد من الأوسمة، منها وسام الاستحقاق برتبة فارس من فرنسا، ومثيله من بولونيا، ووسام الاستحقاق التونسي بالإضافة إلى وسام الاستحقاق السوري، أتقن العديد من اللغات الأجنبية إلى جانب الآرامية اللغة السورية القديمة، ما مكَنَّه من ترجمة جميع النصوص والمخطوطات التي كتبت بالآرامية القديمة؛ وتعتبر من أهم إنجازاته، التي عمد إلى نشرها في كل المحافل التي تعنى بالآثار، وأينما حل ضيفاً في مؤتمر؛ أو محاضراً في ندوة، عاملاً على التعريف بالآثار السورية بكل لغات العالم.
حين تعود لحظة خبر إعدام العالم الجليل إلى الذاكرة، أتساءل: “ترى ما الذي كان يدور في خلده، ويد الجلاد تقبض على السيف؛ أتراه ردد تساؤلنا: “كيف لكل هذه البشاعات، كيف لهذا الموت أن يحدث تحت عين الشمس، وأمام أعين هذا العالم الذي فقد بصيرته”.
لن نعرف ولن يعرف أحد، لا شيء مثبت في الأمر سوى أنه في زمن رديء، في زمن الردة والثورات القاتلة، لا بد من مجموعات ليست سوى حثالة الشعوب، مجموعات طارئة على البشرية والإنسانية، تعمل ضمن منظومة فكرية متحجرة بعيدة أيما بعد عن ثقافة الحياة، لم يتبين عقلها المحدود من المدينة الأثرية سوى أن الأسطورة تعني كنوزاً مخبأة؛ لا بد من الاستيلاء عليها، وتماثيل اعتبرتها أصناماً تُعبد، لا بد من معاقبة حاميها، والمثبت في الأمر أيضاً أن سورياً عظيماً من أبناء أمتي، أبناء الحياة الذين ترخص دماءهم لعينيها، وقف في وجه “الزومبي” أعزلاً من كل شيء، إلا من سنوات عمره الثمانين، وإيماناً صادقاً أن رسالته حماية التاريخ، ولو كان الثمن دماءه التي لا بد ستبقى آثارها على الأعمدة التي أعادها إلى الحياة، فكان بحق عموداً معاصراً من أعمدتها الشامخة.
عادةً ما يُسأل المحكوم بالإعدام عن آخر الأمنيات، والأخلاق تحكم أن تلبى الأماني، ترى ما الذي حلم به أمين تدمر في آخر ثواني عمره، لعلها كانت إعادة الابتسامة إلى وجه الحسناء التي أطلقها إلى العالم، أمنية لن يحققها جلادوه بالتأكيد، لكنّ سواعد أخرى تملَّك أصحابَها إيماناً كإيمانه صادقاً، عاهدوا أنْ لابدَّ من تحطيم قيود العروس.. وهاهم قد صدقوا وفعلوا”.
(بشرى الحكيم)

بدون تعليقات

اترك رد