القرار الروسي المفاجئ يهز الأجراس في أعناق البهائم ..

528

 

بقلم: نارام سرجون

————————–———————–
كان الأمام علي يقول (ليت لي رقبة كرقبة البعير) وهي كناية رمزية تعني أنه ينصح أن يتريث المرء في نطق الكلام ويزنه وأن تستغرق الكلمة في رحلتها من الصدر نحو الحنجرة زمنا ليتمكن صاحبها من تهذيبها وصقلها بالعقلانية والمنطق والحكمة أو ليمنعها من الخروج في الوقت المناسب كيلا يكون الكلام متسرعا مليئا باللغو والرفث .. ولكن للأسف هناك أشخاص بلا أعناق مثل الضفادع .. بل ان بعضهم يشبهون الأجراس التي تعلق في أعناق البهائم كلما تحركت البهيمة أو انحنت لتأكل العشب يرن جرسها دون تأخير .. وهذا هو حال جوقة من المعلقين والمحللين الاعلاميين الثورجيين الذين كلما طرأ حدث مفاجئ لاينتظرون حتى يقوم العقل بالتبصر والتفكير والتحليل المنطقي ووزن الحدث والخلفية السياسية .. ولايتمتعون بميزة التروي والحكمة التي تقضي بعدم التهور والتسرع في اصدار الأحكام .. هؤلاء أشبّه ردات فعلهم بردّات فعل الأجراس التي تعلق خلف الأبواب أو في أعناق البهائم لتلفت الانظار كلما تحركت .. وعقل أحدهم لايساوي أكثر من جرس صغير في عنق قطة أو خلخال في رجل راقصة ..
منذ أن أعلن ان هناك انسحابا للقوات الرئيسية الروسية المتواجدة في سورية والاجراس التي تحركها البهائم الاعلامية ترن وترن وتسبب الضجيج والصخب .. رأس الجزيرة تحرك بمجرد أن أعلن عن الخبر .. فرنّ جرس فيصل القاسم بسرعة وأعقبه رنين أجراس وصنجات كثيرة .. ولحقه جرس اسمه ماهر شرف الدين الذي لايزال يهتز مصدرا ذلك الصوت الجرسي والضوضاء المشوشة التي لامعنى فيها ولا لحن .. فيصل يرى أن بوتين هرب بعد وصول صواريخ حرارية الى الثوار وهو منذ يومين كان جرسه يرن متشائما أن الأسد باق وأن الثورة انتهت أو فشلت .. لكن من عقله يعمل مثل الجرس فانه يغير النغم مع كل ريح وهزة .. والكل مستبشر ويعتقد أن الله يعيد غزوة الخندق وان رياح الصرصر أخذت بجيش بوتين وأحزاب السوخوي بعيدا عن المؤمنين .. ومن يقرأ التحليلات السريعة لهؤلاء التي قررت أن هناك خلافا روسيا سوريا عميقا وأن الروس تخلوا عن السوريين في اتفاق مع الأميركيين يعرف أن الثورجيين لم يتعلموا ولن يتعلموا الا أن يكونوا أجراسا تافهة في أعناق الثورات النفطية ووسائل الاعلام الخليجية ..
لاأدري كيف أن هؤلاء ليس لديهم الصبر لانتظار بضع ساعات لقراءة بعض التقارير المنطقية ومراجعة بعض التفصيلات بل التذكير ببعض الدراسات التي تكهنت منذ بداية الحملة الروسية أنها ربما ستستمر حتى ربيع 2016 على الأكثر .. كيف لهؤلاء الشجاعة المستهترة والمتهورة لكتابة تحليلات سبقت تحليلات الكون .. العالم كله مدهوش ويلزم الصمت أو يطلق التعليقات الحذرة جدا على الخطوة الروسية أما هؤلاء فقد اصدروا البيانات والتفسيرات بل ويخيل لمن يقرأ تحليلاتهم “الجرسية” أن فلاديمير بوتين قد أخبرهم بنواياه قبل ان يخبر وزير خارجيته ووزير دفاعه .. وربما كان يشرب معهم بعض الفودكا بالامس وعرفوا منه أنه قرر التخلي عن مشروعه في سورية فجأة لأنه زعلان من السوريين .. وكأن السياسة العالمية يرسمها قبضايات الحارات الشعبية الذين يزعلون بسرعة من أجل خسارة لعبة نرد في مقهى ..
أنا لاأصدق أي جرس متفائل أو متشائم لأن كل مايقال في الساعات الأولى لأي حدث هو انفعال وتسرع وغير مبني على تروّ في القراءة أو تعمق في المراجعة والبحث .. وهذه ليست مشكلة مقتصرة على العاملين العرب بالشأن السياسي والاعلامي .. بل في كل المجالات وكنت أراها في طريقة التعاطي مع الأفكار البحثية العلمية التي تتعامل معها العقول الجرسية .. ليس هناك صفة الهدوء والتأمل والتريث والصبر والانتظار للحصول على النتائج .. فهناك أجراس عربية وخلاخيل في كل المجالات ..
لاأحد يستطيع أن يدعي أنه يفهم الخطوة السورية الروسية التي فاجأت الكثيرين ولكن المنطق يقول بأن تجربة خمس سنوات يجب أن تعلمنا أن نصدق أن التنسيق السوري الروسي في أعلى مستوياته وهو لم يتراجع قيد أنملة .. وهو كان مفاجئا عندما نزل الى الميدان بزيه العسكري مباشرة دون استئذان المحللين الجرسيين .. ولاشك انه عندما يغير استراتيجيته العسكرية لن يستأذن الأجراس ولن يكشف عن أوراقه الا في آخر لحظة .. ولذلك فان كل ماقالته الأجراس المعلقة في أعناق البهائم كان طنينا وصخبا فارغا بلا معنى وبلا ألحان .. صنعت هذا الضجيج فقط لنعرف أن هناك بهائم اعلامية تتحرك وان لها أجراسا اعلامية وخشخيشات منذرة بوجودها ..
وهناك على العكس من يرى أن الروس جاؤوا بسلاحهم الذي كان يجب ادخاله الى العمليات وتدريب الكوادر السورية بسرعة .. واليوم ربما سينسحب الروس ولكن من غير سلاحهم الذي تم تدريب الكوادر السورية عليه ولاحاجة للقوات السورية للطيارين الروس بعد اليوم .. وان كلام الكرملين واضح بأن القواعد العسكرية ستبقى محمية وملتزمة بواجباتها العسكرية وربما يعني أن الحديث عن انسحاب حركة دعائية لاستثمارها ديبلوماسيا .. وهناك من يرى أن الاتفاق الروسي الأميريكي أنجز وهو أن الطرفين اعترفا بمصالح كل منهما وأن المنطقة قسمت بينهما بحيث أن أميريكا اعترفت بسورية كاملة كمنطقة مصالح روسية فيما اعترفت روسيا بالعراق منطقة مصالح أميريكية وستترك لها العودة بهدوء الى العراق تحت مسمات التعاون الأمني والعسكري دون أن ينغص ذلك التنسيق السوري الايراني كما حدث سابقا وهذا بضمانة روسية .. وحصلت أميريكا بذلك على ماأرادته وهو منع خطوط الطاقة من آسيا الى البحر المتوسط لأنها ستكون في العراق بشكل ما بشركاتها فيما ستكون روسيا على ساحل المتوسط حيث حقول الغاز السورية العملاقة .. وحيث سينتهي مشروع خط الغاز القطري .. ومع ذلك فهذه تكهنات أيضا فيها عجلة .. وليس فيها أي دليل ..
ماهو مؤكد أن التنسيق الروسي السوري هو حقيقي وهو قرر في السابق أن يصل بشكل مفاجئ ويعلن تغييرا بشكل مفاجئ في يوم صادف الذكرى الخامسة لبداية الحرب على سورية لشيء ذي معنى .. والقراران منسجمان تماما مع الهدف الذي وقف الروس والسوريون معا من أجله طوال خمس سنوات والذي لم يتغير وهو أن يعرف الغرب ان ارادته يمكن أن يطبقها اينما يشاء ولكنه في سورية عليه أن يطبق ارادة شعبها ..
لاشك أن هناك مرحلة جديدة من الحرب يجب أن نتريث قليلا قبل أن نحلل ونتعجل أو قبل أن نكشف أوراقنا الهامة فيها فليس من الحصافة أن نقول ماهو لايزال سرا طريا وحبرا لم يجف على أوراق التحالف السوري الروسي .. لاتراجع على الاطلاق في مواجهة الارهاب وفي تحرير ماتبقى من الأرض .. وأما الأجراس في أعناق البهائم فدعوها تطقطق وترن كلما هزت الأبقار رؤوسها أو انحنت لتأكل البرسيم .. فهل ستبقون تستمعون للأجراس في أعناق البهائم؟؟ وللبهائم التي تحرك الأجراس؟؟ .. أم ستجلسون بهدوء لتسمعوا سيمفونيات عاقلة رصينة عزفت لنا طيلة خمس سنوات .. نحن من يعزفها .. ونحن من يقرر متى يعزف لحن النهاية .. لهذه السميفونية الوطنية العظمى ..

بدون تعليقات

اترك رد