توفي وائل في سنِّ الثمانية والأربعين..وعاد الى الحياة ليبحث عن عائلته

1619

التقمّص هو انتقال الروح من جسد بشري متوفٍّ إلى آخر حديث الولادة، هذه العقيدة المرتبطة بالمذهب التوحيدي الدرزي أرست إشكالية لدى كُثر، ولم تبقَ في إطارها الفلسفي الديني بل تخطتها إلى بُعدٍ علمي حيث سعى علماء التنويم المغناطيسي مثل مورين برنشتين ومايكل نيوتن ود. ايان ستيفنسون إلى درس عدد من الحالات في بلدان كثيرة في محاولة منهم لإثبات التقمّص.

التقمّص… عقيدة أساسية

توفي وائل في سنِّ الثمانية والأربعين، ليولد في حياة جديدة حاملاً معه ذكريات عن حياته السابقة وماضيه. في سنِّ الثلاث سنوات في حياته الحاضرة بدأ بالتذكر، وعندما صار في سن الـ 18 قرّر التوجّه للبحث عن عائلته في الحياة السابقة حيث كان والداً لـ4 بنات وصبيان. هو الذي بات يقرب الخمسين من العمر، يُخبر “النهار” “أذكر المنطقة التي كنت أعيش فيها، ولكن لم أكن أتذكر صوراً بل أسماء وأحداث. فوصلت إلى منزلي وتعرفت إلى أفراد عائلتي وعرفتهم عن نفسي وبقيت معهم على علاقة طيبة. لم يكن السبب في بحثي عنهم الحشرية بل دافع داخلي، إذ لا يمكن لأحد أن يبتعد عن أهله فالرابط العاطفي قوي. شعوري تجاههم أنَّهم عائلتي، لكنَّ شعورهم تجاهي مختلف لأنهم اعتبروني إنساناً آخر. هذه العلاقة بين حياتي السابقة والحالية لم تولِّد لديَّ صراعاً ولم تُزعجني إذ إنَّ التقمّص من العقيدة الأساسية لدى الموحدين”.

الابتعاد والنسيان وإلاَّ التشتّت والضياع

بدوره، توفي فادي عام 1996، ليزور بعد فترة طفلٌ اسمه زياد يبلغ من العمره ثماني سنوات منزل أهل فادي. زياد أخبر العائلة التي ولد فيها عن اسم المدرسة التي كان يتعلم بها سابقاً، واسمه الكامل أي فادي واسم عائلته في حياته السابقة. ما دفع بأهله إلى التوجه إلى المدرسة والسؤال عن تلميذٍ متوفى فحصلوا على الاسم والقرية التي يأتي منها فادي. وذهبوا إلى القرية التي ادعى انتماءه إليها. تخبر شقيقته في حديث لـ”النهار” بأنَّ “أهل زياد سألوا عن عنوان منزل أهلي، فأعطوهم عنوان منزلنا الذي انتقلنا إليه بعد وفاة شقيقي، فيما الطفل أصر على سلوك طريق المنزل القديم. رفض والده وتوجهوا به إلى منزلنا الجديد وبعد وصولهم سألوا أهلي أين كانوا يقطنون سابقاً فأخبروهم عن العنوان القديم. فور وصوله تعرف إلى والدتي وأخي فوراً، أخبرنا عن تفاصيل كانت تجمعنا سوياً”. يعلِّق شقيقه: “تذكرني جيداً وأنَّه نام بقربي في الليلة التي سبقت وفاته، لكنه لم يتذكر ما جرى معه يوم الحادثة أي تفاصيل الوفاة أو إنه لا يرغب في التذكُّر. اللقاء كان مؤثراً جداً، وبقينا لاحقاً على تواصل معه حتى إننا زرناهم في منزلهم، لكني طلبت لاحقاً من والدتي أن تبتعد وأن تقطع هذا التواصل، إذ إنَّ المسألة أثرت بنا جداً خصوصاً لأنه كان يعتبر نفسه فادي لا زياد، ويحب أهلي أكثر من أهله الجدد ما أتعب والديه. هو أخي وليس أخي في الوقت نفسه إذ بات من عائلة وبيئة مختلفة ما أرهق والدي ووالدتي، ولم نرغب في أن نؤثر عليه في حياته الجديدة فكان القرار بالابتعاد والنسيان. والدتي أيضاً شعرت أنه ابنها وليس ابنها، بتنا نعيش وَهْم وجوده. التقمّص مقنعٌ جداً بالنسبة إلينا وازداد أكثر بعد ما مرَّرنا به، ولكن من غير المقنِع أن نعيش الحالة التي تعتبر متعبة للأعصاب ومرهقة نفسياً خصوصاً لأهل الفقيد. شخصياً أزعجني هذا الموضوع، في حين أنَّ أشخاصاً كثر يفرحون بالتقمّص ويتمسكون بالتواصل مع أهلهم في الجيل السابق”.

قصة ثالثة ترويها راغدة عن والدتها، مشيرةً في حديث لـ”النهار إلى أنَّ “والدتها ولدت “ناطقة”، أي تذكر حياتها السابقة. وكانت تخبر أهلها بأنها تدعى مدام صالحة التي كانت تصمّم فساتين الفنانة صباح. كانت تنشأتها صعبة إذ كان أهلها في حياتها الحالية فقراء في حين كانت تعيش حياةً رغيدة في الحياة السابقة. لذا، أخذت قراراً بالنسيان لأنها وجدت نفسها بين حياتين تحبهما كثيراً، ولكن لا يمكن أن تحصل على كليهما وكان يتبادر إلى ذهنها دوماً السؤال التالي: “من أنا، هل أنا المرأة في الحياة السابقة أم الحالية؟” شعرَت بضياع إذ كانت متعلقة بماضيها ولم يكن بمقدورها العودة إليه لأنها ليست الشخص نفسه، اختلف الاسم والشهرة ونمط الحياة أيضاً. أما الحاضر فعليها الاستمرار فيه لتتمكن من عيش حياةٍ طبيعية لا ممزقة، فكان التناسي هو الحل الأفضل”.
الموحِّد غير مسؤول عن أزمنة سابقة

يعلِّق مستشار شيخ عقل طائفة الموحدين الدروز الشيخ غازي الحلبي في اتصال مع “النهار” أنَّ “موضوع#التقمّص مفاده انتقال الروح من الجسد إلى آخر. لا أنفي عقائدياً هذا الموضوع ولكن بصرف النظر عن العقيدة بات التعامل العام مع المسألة فلكلورياً وشعبياً مع تعدد حالات النطق بالشخص الواحد. وقد تكررت حالات عن 4 أو 5 أشخاص يدعون تقمّص روح أحد المشايخ الكبار. في حين أنَّ الروح تنتقل إلى جسد واحد فقط. ما يعني أنَّ هناك الكثير من الحالات المدعية لمسألة غير صحيحة. وهناك نزوع وتشجيع على فكرة التقمّص من قبل الناس في حين أنَّ هذه المسألة تحتاج بحثاً سوسيولوجياً. والموقف الرسمي تاريخياً منذ أيام الأمير السيد العظيم جمال الدين عبدالله التنوخي قدس الله روحه (الذي ولد في القرن التاسع هجري، أي الخامس عشر ميلادي) هو التمسك بتفسير الجماعة للقرآن الكريم ” قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً”. على الرغم من إصرار البعض على اعتماد الآية القرآنية “كَيْف تَكْفُرُونَ بِاَللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ”.

ويضيف: “التقليد التوحيدي هو التمسّك بآيات القرآن الكريم شرعياً وفقهياً ومسلكياً والتزام رأي الجماعة. أما الاجتهاد فيبقى قرارًا ذاتياً عند الموحدين وضمن خانة حرية المعتقد، وإذا افترضنا التميز التأويلي عند الدروز إلاَّ أنَّ قاعدته تبقى في الحفاظ على سقف الشريعة. وكان الشيخ أبو محمد جواد ولي الدين يقول “عليكم بيومكم هذا”، خصوصاً وأنَّ الذاكرة عندما ينحل الجسد تتلاشى معه ولا تُنقل المعلومات أينما كان الإنسان في الجسد أو البرزخ. ونلاحظ أنَّ من يجاهرون بالنطق غير ملتزمين دينياً وهناك نزوع من جهتهم نحو تفسيرات ذاتية لا موضوعية. لذلك، نقول لهم لا تهدروا وقتكم في ما يسمى أجيالاً سابقة، لما له من مؤثرات سلبية لا جدوى لها تربوياً ولا مدنياً ولا دينياً. وعلى الموحد أن يرقى بأخلاقه وسومه الروحي في يومه هذا، وفي زمنه هذا، وفي جسده هذا، وليس مسؤولاً عن غير أزمنة”.

المصدر: النهار

بدون تعليقات

اترك رد