هكذا يصوم الموحدون الدروز

2037

بقلم /ريمان ضو  

لا يختلف اثنان أن شهر رمضان المبارك هو شهر “العتق والغفران، شهر الصدقات والإحسان، شهر تفتح فيه أبواب الجنات، تضاعف فيه الحسنات، وتقال فيه العثرات، شهر تجاب فيه الدعوات، وترفع فيه الدرجات، وتغفر فيه السيئات،” فكيف إذا كان هؤلاء ممن آمنوا بمراتب الدين الاسلامي الثلاث، أي الموحدون الدروز.

تكثر التساؤلات والاستفسارات عن إلتزام الموحدين الدروز بأصول الإسلام ومن ضمنها صيام شهر رمضان المبارك وباقي الدعائم كالصلاة والزكاة والحج، خصوصا أنهم آمنوا بمراتب الدين الإسلامي: الإسلام، الإيمان والإحسان، فما هي الموجبات على الموّحد خلال شهر الصوم؟
انبثق المذهب التوحيدي بعد 400 سنة من ظهور نبي الإسلام، فأتى المسلك التوحيدي ليتعمق بالإسلام وليس لينفصل عنه، بحسب الموحدين، وهو يستند في فقهه على مرتبة الإسلام الثالثة: الإحسان.

ويقول عمر بن الخطاب – رضي الله عنه- في أحد الأحاديث النبوية: “بينما نحن جلوس عند رسول الله – صلى الله عليه وسلم – إذ طلَع علينا رجلٌ شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يُرى عليه أثرُ السفر، ولا يعرِفه منا أحد، حتى جلَس إلى النبي – صلى الله عليه وسلم – فأسْنَد ركبتَيه إلى ركبتيه، ووضَع كفَّيه على فخِذيه، وقال: يا محمد، أخبرني عن الإسلام، فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: ((الإسلام: أن تشهَد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وتُقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتَحُج البيت إن استطعت إليه سبيلاً))، قال: صدَقت، قال: فعجِبنا له، يسأله ويُصدِّقه، قال: فأخبرني عن الإيمان، قال: ((أن تؤمِن بالله وملائكته وكتُبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمِن بالقَدَر خيره وشره))، قال: صدَقت، قال: فأخبِرني عن الإحسان، قال: ((أن تعبُد اللهَ كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك))”

إذا، يُسلم المذهب التوحيدي بمرتبتي الإسلام والإيمان ويتعمق أكثر في الوصول الى المرتبة الثالثة أي “الإحسان” التي جعلت الإنسان الأقرب الى الله، وبالتالي فإن هذا التعمّق لا يعني الإنفصال إنما يعطي خصوصية أكثر بممارسة الشعائر الدينية.

يشرح الشيخ دانيل عبد الخالق، مستشار شيخ عقل الموحدين الدروز الشيخ نعيم حسن واستاذ محاضر في الجامعة اليسوعية، أن “المسلك التوحيدي تعمّق بالدعائم الإسلامية (الشهادتين، الصلاة، الصوم، الزكاة، الحج، الجهاد والولاية) لتصير خصالا، أي عمّق هذه الدعائم عبر مسلك يومي يجب أن يعتاد عليه الإنسان بشكل بديهي وطبيعي، فعلى سبيل المثال فإن الزكاة في المسلك التوحيدي ليست مفروضة فقط بنسب نقدية او عينية وفي وقت محدد بل وصلت الى ما يسمى “حفظ الإخوان” أي الرعاية من خلال المساعدة بالعلم والدعم الإجتماعي والإهتمام بالمسنين والأيتام، إنطلاقا من مبدأ لدى الدروز أنه لا يجوز أن يكون أخوك محتاجا إليك وأن يحتاج لغيرك اذا كنت قادراً. ”

ويضيف الشيخ عبد الخالق “كذلك بالنسبة إلى الصلاة فهي تعني في المذهب التوحيدي “صدق الصلاة” أي تعظيم نية الصلاة والإتصال بالله في كل الأوقات، أي عمل مستمر ليلا نهارا، عبر علاقته وصدقه مع الناس. من هنا يوصف الخطأ عند الدروز بأنه “ساعة التخلي” أي التخلي عن الصلة بالله والإستشعار بوجوده.

أما الصوم فهو ليس بالصوم عن المآكل والمشرب واللّذات فقط وإنما هو أيضا صوم عن “عبادة العدم” أي كل الأفكار العدمية التي تبعد العقل البشري عن الإستشعار بوجود الله.
وكذلك الحج في المسلك التوحيدي هو “البراءة من الأبالسة” أي رجم الشيطان في النفوس أيضا.”
ولا بد من الإشارة الى أن الحج توقف تاريخيا عند الموحدين الدروز عام 1713 عندما تعرضت قافلة من الحجاج إلى الإبادة بطريقها إلى الحج، فأعتبروا أنهم لا “يستطيعون اليه سبيلا”.

اما عيد الفطر فهو عيد مميز لدى الموحدين أكثر من باقي المسلمين ليس فقط لأنه يأتي في ختام الشهر الفضيل، إنما هو عيدُ بدء مذهب التوحيد عام 408 هجري مع الامام الحاكم بأمر الله.

كل ما تقدم، لا يعني أن هذا التعمّق في الإسلام يعفي الموحدين الدروز من الإلتزام بالدعائم الأساسية للدين الإسلامي، فالأكيد أن الموّحد لا يمكن أن يكون موّحداً دون أن يكون مسلماً ومؤمناً.

أما سبب عدم ملاحظة ممارسة الموّحدين لهذه الدعائم فيعود الى وجود أكثر نسبة من العلمانيين ضمن هذه الطائفة، اضافة الى المجاورة التاريخية مع المسيحيين مما أدى إلى تداخل العادات والتقاليد وتشابهها بين أبناء البلدات والقرى، الى حد أن الرحالة الانكليزي سانديز روى عام 1610، عندما زار لبنان بحقبة حكم المعنيين، أنه لم يستطع أن يميز بين قرية مسيحية وأخرى درزية.

بدون تعليقات

اترك رد