تحرير جنوب لبنان.. نهاية “جيش لحد” الذي حمى إسرائيل

326
هكذا وقعت النهاية الفعلية لما سمي جيش لبنان الجنوبي الذي انتهى دوره مع أولى صرخات التحرير وخروج الأسرى اللبنانيين من معتقل الخيام، وصرخة الغضب من أحد الهاربين المنتمين لهذه الميليشيا بوجه أنطوان لحد قائلاً “كنا نعلم أننا سنُطرد، ولكن بشرف”، ما زالت محفورة بذاكرة كل من واكب تلك المرحلة، وشهد على نهاية اندثار منظمة كان يُقال إنها ستنشئ دولة ملحقة بإسرائيل عسكرياً وسياسياً واقتصادياً.
مقطع من وثائقي الاجتياح – غزو لبنان عبر الميادين
قال أول رئيس حكومة في إسرائيل ديفيد بن غوريون يوماً “أعطوني ضابطاً لبنانياً صغيرا وسنصل بعدها إلى ما بعد نهر الليطاني وربما إلى بيروت”. لاحقاً وجد رئيس الوزراء مناحيم بيغن ضالة إسرائيل في الرائد سعد حداد، ابن إحدى البلدات الجنوبية والذي كان آنذاك قائد وحدة عسكرية تضم 400 جندي في بلدة القليعة على الحدود اللبنانية – الفلسطينية. فكان إعلان حداد تحالفه مع إسرائيل التي مدّته بكل ما يلزم لتأسيس ما عرف بِـ”جيش لبنان الجنوبي” عام 1976.لثماني سنوات بقي حداد في القيادة حتى 14 كانون الثاني/ يناير 1984 تاريخ وفاته بمرض السرطان. ليخلفه ضابط آخر هو أنطوان لحد وليرتبط منذ ذلك الحين اسم هذه الميليشيا المسلحة باسمه. بعيد تأسيسه سيطر هذا الجيش على مناطق واسعة من جنوب لبنان ليواجه إضافة إلى الفلسطينيين، المقاومة العسكرية اللبنانية التي شملت حزب الله وحركة أمل والحزب الشيوعي والحزب القومي السوري الإجتماعي وغيرها من الحركات التي أعلنت العداء لإسرائيل وكل من يتعامل معها.بعد اجتياح الجيش الإسرائيلي للأراضي اللبنانية عام 1978 الذي عُرِف بعملية الليطاني، توسعت منطقة سيطرة هذا التشكيل، وبقي في حالة تطور من خلال الدعم المتوفر له حتى صار يضم حوالى 6000 جندي.أوقفت الحكومة اللبنانية في عهد الرئيس الراحل الياس الهراوي دفع رواتب المنتمين لهذا الجيش منذ العام 1990، حيث أعلنت أنه منظمة خارجة عن الدولة اللبنانية. في هذه الفترة، وبالرغم من وجود القوات الإسرائيلية إلا أنه عهد لـ”جيش لحد” حفظ أمن إسرائيل ومواجهة كل الأطراف المعادية لها.بدأت حينها العمليات العسكرية المكثفة ضده، وصارت المواقع تسقط الواحد تلو الآخر، ويقع أفراد المواقع أسرى في قبضة المقاومين، دون تدخل حقيقي من قبل الجيش الإسرائيلي.ظل هذا الواقع مستمراً وصار “جيش لبنان الجنوبي” يسير من تضعضع إلى آخر، فيزداد عدد قتلاه وتتكثف العمليات ضده على الطرقات والمنعطفات وحتى خلف الدشم المحصنة.جرت محاولة اغتيال أنطوان لحد في مساء 17 تشرين الثاني/ نوفبمر 1988، من قبل المناضلة في الحزب الشيوعي سهى بشارة، محاولة لم يُكتب لها النجاح انتهت باعتقال بشارة في معتقل الخيام. لكن ذلك كان كافياً في زرع الشعور بالخوف لدى ضباط وجنود الجيش اللحديّ بأنهم عرضة للاغتيال في أية لحظة.نجح حزب الله بعدها باغتيال أحد أهم رموز جيش لحد، عقل هاشم، بعبوة أمام منزله، في 30 كانون الثاني 2000. عملية كان لها تأثيرٌ سياسي ونفسي كبير على كل العملاء، وحتى على تل أبيب التي وصفت هاشم بأنه من أهم أصدقائها، وبأنّ آغتياله هو الخسارة الأقسى لجيش الإحتلال بعد تصفية قائد قوات الإحتلال في جنوب لبنان الجنرال إيرز غيرنشتاين في 28 شباط/ فبراير 1999.راحت المقاومة تحرر القرى الواحدة تلو الأخرى، مما أدى إلى تراجع معنويات جنود أنطوان لحد، وشعورهم بأنّ حليفهم الأساسي لا يريد أو غير قادرٍ على تغيير الواقع المرير الذي بدأ يتمدد ويسيطر على المشهد في الجنوب اللبناني.

في 25 أيار/ مايو 2000، تحقق التحرير شبه الكامل لجنوب لبنان، وانسحبت القوات الإسرائيلية من المنطقة المحتلة، فعارضت قيادة جيش لبنان الجنوبي هذا الإنسحاب لعلمها أنه يعني التخلي النهائي عنها وتركها وعناصرها فريسة سهلة أمام المقاومين.هرب عدد من المنتمين إلى هذا الجيش إلى فلسطين المحتلة حيث استقبلت تل أبيب بعضهم ورفضت البعض الآخر، وسافر عدد آخر إلى أوروبا، فيما سلم بعض الجنود أنفسهم إلى مقاتلي حزب الله الذي قام بدوره بتسليمهم إلى الأجهزة القضائية اللبنانية لمحاكمتهم.هكذا وقعت النهاية الفعلية للميليشيا التي انتهى دورها مع أول صرخات التحرير وخروج الأسرى اللبنانيين من معتقل الخيام، وصرخة الغضب من أحد الهاربين المنتمين لهذه الميليشيا بوجه أنطوان لحد قائلاً “كنا نعلم أننا سنُطرد، ولكن بشرف”، ما زالت محفورة بذاكرة كل من واكب تلك المرحلة، وشهد على نهاية اندثار منظمة كان يُقال إنها ستنشئ دولة ملحقة بإسرائيل عسكرياً وسياسياً واقتصادياً.في 10 أيلول 2015 طويت صفحة جيش لحد مع وفاة الأخير إثر نوبة قلبية في باريس. وفاته رافقتها احتجاجات كبيرة نجحت في منع دفنه داخل الأراضي اللبنانية.

بدون تعليقات

اترك رد