اسمعوا ما يقول القائد العام للثورة السورية الكبرى:

1245

معين نصر

أن شعبا معدنه هذا الإرث الثوري – التحرري – القومي والوطني، وفي تاريخه قادة عظماء مثل سلطان الأطرش، لا يمكن أن يهزم، أو يتخاذل، أو يهون، حتى لو اجتمعت ضده كل جيوش واشنطن السرية، تحت يافطات “الثورة السورية – الصهيونية”.
اسمعوا ما يقول القائد العام للثورة السورية الكبرى:

اليوم هو ذكرى عودة الثوار وسلطان الاطرش الى جبل العرب من بلاد اللجوء في وادي السرحان بتاريخ 23/5/1937
بعد غياب طال لعشر سنوات تنقل خلالها الثوار ما بين الازرق والعمري في الاردن وحديثة والنبك ووادي السرحان في السعودية المحاذي للحدود العراقية والاردنية المشتركة.
حينها لم يتوانى عن دعم الثوار المادي والمعنوي والسياسي في المنفى جميع ابناء الطائفة المعروفية في بلاد الشام والاغتراب.
ويعد لجوء الثوار في ذلك التاريخ عقب انتهاء الثورة السورية الكبرى عسكريا سنة 1927 اول لجوء سياسي لثوار و زعيم ثورة في تاريخ العرب.
لقد عاد سلطان الاطرش الى الوطن سوريا الام بتاريخ 19/5/1937 حينها استقبل في دمشق استقبال الابطال في تجمع جماهيري مهيب فخرا من السوريين بعودة الابطال صانعي النصر و المجد وصانعي اتفاقية انهاء الاحتلال الشهيرة سنة 1936 مع الفرنسيين والتي تأخر تنفيذها الى ما بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية سنة 1946
وبعدها بتاريخ 23/5/1937 بعد اربعة ايام وصل قائد الثورة السورية مع رفاقة الثوار الى عرينهم معقل بني معروف في السويداء..
وخير شاهد على قصة وزمن واحداث ذلك اللجوء القسري هي مذكرات القائد العام الخالد للثورة سلطان باشا الاطرش،،، يسرد فيها بعض الاحداث والضروف والمواقف التي عايشها الثوار في تلك المرحله…

من مذكرات سلطان باشا الأطرش في وادي السرحان

عندما طلبت بريطانيا المسيطرة على الأردن ترحيلنا منها, قلنا أننا مستعدون أن نلبي رغبتكم, شريطة إعطائنا مهلة كافية نتمكن خلالها من إتمام عملية نقل نسائنا وأطفالنا ومواشينا إلى مكان آخر مناسب جاء جواب المعتمد البريطاني بالموافقة على طلبنا, ولكنه اقترح علينا مقابلته بالأزرق لبحث أمور هامة تتعلق بالموضوع نفسه, فانتقلنا من فورنا إلى الأزرق وجرت المقابلة نعي في جلسة دامت نحو ساعتين, حاول خلالها إقناعنا بضرورة إنهاء الثورة والتسليم للأمر الواقع دون قيد أو شرط, ومما عرضه علينا في نهاية الجلسة وضمن لنا تحقيقه دون أبطأ قوله (أن حكومة صاحبة الجلالة البريطانية تتكفل بتقديم قصر خاص لإقامتكم في مدينة القدس وراتب كبير يضمن لكم العيش ألهني والسعادة مدى الحياة) فأجبته شكرا وقلت له:أن سعادتنا باستقلال بلادنا وحرية شعبنا وكان العيش في القصور غايتنا لكنا بقينا في دورنا الرحبة واستجبنا لدعوة الفرنسيين المتكررة بالاستسلام:
أن طلبكم هذا فيه مساس بكرامتنا فلا نرضى إطلاقا أن تكون المفاوضة معكم أو مع حلفائكم الفرنسيين إلا على أساس صلح مشرف تتحقق به المبادئ التي قامت ثورتنا عليها ومن اجلها وتتلخص بحرية الشعب واستقلال البلاد ووحدتها وجلاء القوات الأجنبية عنها.

وفي أعقاب المقابلة اتصلت بأعضاء مكتبنا الدائم وشرحت لهم ما آلت أليه أخيرا أوضاعنا بالأردن فاتصلوا بدورهم ببعض الشخصيات العربية في القدس والقاهرة وتم الاتفاق معهم على انتداب السيد شكري القوتلي للذهاب في الحال إلى المملكة العربية السعودية من اجل التفاوض مع جلالة الملك عبد العزيز آل سعود لقبولنا في بلاده لاجئين سياسيين.
اعتذر الملك بادئ ذي بدء عن قبول الطلب لكنه عاد فأعلن موافقته أرسل إلينا برقية جاء فيها:
قائد الثورة السورية سلطان باشا الأطرش اقبلوا على الرحب والسعة –عبد العزيز-

كانت مشاهد رحيل الثوار وعائلاتهم من الأزرق في صيف 1927 مثيرة لاعمق المشاعر الإنسانية… وقد ارتضوا بأباء وشمم أن يفارقوا الديار التي كانوا يستأنسون بسكانها قريبا من الأهل والأحبة في ربوع الجبل فسارت قوافلهم المؤلفة من نحو اكثر من آلف نسمة باتجاه العمري جنوبا, بعد وداعهم الأليم لذويهم ورفاقهم في الجهاد. الذين قرروا العودة إلى الجبل اثر صدور قرار المفوض السامي (بونسو) بالعفو عنهم وعددهم نحو ثلاثة آلاف نسمة.

وعندما نزلنا في العمري وعلم الإنكليز أن المملكة العربية السعودية قد وافقت على إقامتنا في ربوعها أرسلوا إلينا وفدا برئاسة الكولونيل (سترا فورد) للتفاوض معنا من اجل عودتنا إلى الأزرق, فرفضنا عرضهم هذا وقلنا لرئيس وفدهم:لم تعد لنا رغبة في العودة لأنكم لا تحترمون العهود وسوف نقيم بالصحراء التي خرج منها أجدادنا. وسنجد فيها بالإضافة إلى كرم الضيافة مجالا رحبا للتمتع بحريتنا الكاملة التي افتقدناها منذ أن انتدبتكم عصبة الأمم علينا وصيرتم الانتداب استعمارا قائما على البطش والإذلال وابتزاز خيرات الوطن.

مكثنا في العمري فترة قصيرة ثم انتقلنا إلى غدير الحصيدات(يقع على بعد 20 كيلو مترا عن النبك بوادي السرحان)حيث بتنا ليلة واحدة وفي اليوم التالي توجهنا إلى (النبك) بوادي السرحان وبرفقتنا من مجاهدي الجبل وكان عددهم 232 مجاهدا + 70 مجاهدا من لبنان والمجموع كان 302 مجاهد مع اسرهم وكان المجموع 1360 نفسا, ومن مجاهدي لبنان والإقليم الذين ارتحلوا معنا كان على رأسهم الأمير عادل ارسلان.

وصلنا إلى النبك بوادي السرحان في أواخر شهر تموز عام 1927 وجدنا الأرض صحراوية مقفرة. ما خلا نبع ماء عذب يسمى (جوخه) وبضع من أشجار النخيل تضفي على المنطقة جمالا طبيعيا أخاذا تبعث بالنفس – بتمردها على الجفاف المسيطر – من إرادة المقاومة وعزيمة الصمود.

كان نزولي في الجهة الشرقية من المكان حيث جاورني أقربائي وفريق من المجاهدين ونزل في الجهة الغربية منه رفاقنا الآخرون بينهم الأمير عادل ارسلان محمد عز الدين علي عبيد قاسم أبو خير وعلي الملحم… والمسافة الفاصلة بين الحيين لا تزيد عن ثلاثمائة متر.

لقد آوينا أنفسنا في الخيام القليلة التي كانت بحوزتنا ثم اضطر الكثيرون منا إلى استخدام قطع (اللبن) الذي صنعوه من التراب لبناء مساكنهم البدائية الصغيرة واستيراد خشب الحور والقصب بأسعار باهضة من عمان لسقفها

كان علينا أن نتآلف مع المناخ الصحراوي في حياتنا اليومية, وان تعيش متاعب البادية وشقاؤها, إلى جانب المتعة بصفائها وراحة الهدوء في آفاقها الواسعة واكثر ما كنا نعاني منه في الفصول الانتقالية (الربيع والخريف) رياح السموم الهوجاء التي تهب عادة من الشرق والجنوب الشرقي فتبدل من معالم الأرض وتغدو الرؤية خلالها مستحيلة, ثم تكاد عملية التنفس تتعطل لدى الإنسان والحيوان على حد سواء بفعل الأتربة والرمال المتطايرة في الفضاء والتي كانت تكتسح خيامنا وتسد منافذ بيوتنا في بعض الاحيان. استطاع بعضنا استخراج الماء بالحفر في الرمل على عمق بضعة أمتار لارواء الخيل والماشية, واحتطبنا من نباتات (الرّتم) لمواجه برد الليالي وكنا نقتات بورق (الطرقة) و(القطف) وثمر (الاصمع) وكل هذا عندما يضعف المدد ويتأخر التموين.

أما الأغنام التي كان أطفالنا بحاجة ماسة إلى لبنها فكانت لا تجد أمامها سوى الحمض والشيح وبعض الأعشاب الهزيلة في فصل الربيع, تشاركها في رعيه الخيول والإبل التي لم يبقى في حوزتنا سوى العدد القليل منها. وبعد أن مضى على إقامتنا حوالي الستة شهور في وادي السرحان عوملنا خلالها من قبل ممثلي السلطة السعودية وبعض عشائر المنطقة معاملة طيبة ولقينا من حفاوة استقبالهم وكرم أخلاقهم ما لا يمكن نسيانه مدى الأيام. قدم لنا الأمير سليمان الشنيفي مندوبا من العاهل السعودي فرحبنا واكمنا وفادته ثم فاجأنا بقوله: (امرنا جلالة الملك بجمع السلاح منكم يا سلطان والمهلة التي نعطيكم إياها لجمعه وتسليمه ثلاثة أيام) فأجبته قائلا:سلاحنا شرفنا أيها الأمير فهل من المعقول أن نسلم به ونحن نعيش مع عيالنا هذه الضروف القاسية والأحوال السيئة في هذه الأرض الموحشة المنقطعة). قال (أنني مأمور بهذه المهمة يا سلطان مهما كانت الظروف والأحوال) وعندئذ قلت له بحزم وتصميم:
(لا نسلم سلاحنا ما دام فينا عرق ينبض…لقد كنا نتوقع من جلالة الملك عبد العزيز ومن أعضاء حكومته ومستشاريه أن يمدونا بالمال والعتاد لنعود إلى بلادنا ونستأنف الجهاد ضد الفرنسيين. لا أن يأمروا بتجريدنا من السلاح ليميتوا في نفوسنا النخوة ويضعفوا روح الكفاح ويعرضوننا با لتالي لخطر الغزوات البدوية المألوفة في هذه الأرض القفراء)

وبعد أن تكونت لديه بعض القناعة بوجهة نظرنا رفع امرنا إلى رؤسائه فجاءت التعليمات أليه بالاتفاق معنا على ما يلي:
1. يحتفظ المجاهدون بسلاحهم ويحق نقله ضمن المنطقة دون معارضة
2. تتعهد قيادة الثورة بعدم القيام بأي نشاط يخل بالأمن أو يخالف الأنظمة والقوانين المعمول بها في المملكة
3. وفيما كنا نعمل على إقامة علاقات حسن جوار مع العشائر بالمنطقة حاول شبيب بن كعير شيخ عشيرة السرحان أن يستغل ضروفنا الراهنة فرفض تأدية الحق الذي كان لآل عطالله عليه قبل نشوب الثورة وكنا نحن كفلاء عقد راية الصلح الذي تم وقتذاك بين الفريقين بل حاول أن يتحدانا بقوله (إذا كنتم تعتقدون أنكم تستطيعون أن تتصرفوا هنا في وادي السرحان كما لو كنتم في الجبل فذلك خطأ فادح ووهم كبير يجب أن تتبينوه..) فاضطررنا بعد أن رفض نصح الناصحين إلى احتجاز فرسه ووضع القيد في رجليه إلى أن اعترف بالحق ودفعه إلى صاحبه وهو ثمن بعير (جمل).

لقد كنا نشعر باستمرار أن العراقيل توضع في طريق تمويننا والخطر يتهدد وجودنا في كل لحظة من قبل العشائر المجاورة فذات يوم أوقف علي عبيد في عمان بأمر من القائد البريطاني (غلوب باشا) وكان مكلفا بشراء لوازم الثوار وإعاشتهم. ولم يطلق سراحه إلا بعد بضعة أيام غير أن إخوانا لنا في الوطن والمهجر لم ينسوننا أثناء تلك الضائقة الشديدة التي مرت بنا بل كانوا يتحملون المشاق في جمع الإعانات لحسابنا وإيصالها إلى مضاربنا بالإضافة إلى مواجهتهم للمؤامرات التي كانت تستهدف التضييق علينا وتهيئة أسباب تسليمنا للفرنسيين ولكن مع اهتمامهم الشديد بنا وزيارة العديد منهم لنا. فقد كان شبح المجاعة يطل علينا بين حين واخر فنضطر إلى التهام ورق النبات ريثما تصل الإعاشة إلينا من عمان وبعض المدن الأخرى. وفيما كنا نواجه أمثال الأزمة الحادة وإذا بالسادة شكري القوتلي والحاج عثمان الشر بتلي والحاج أديب خير وعادل العظمة يصلون إلى منازلنا ويقدمون إلينا من الإعانات المجموعة باسم الثورة (صره) من الليرات الذهبية فلم يتمالك المير عادل ارسلان نفسه من شدة الانفعال فتناول قبضة منها ونثرها بحده أمامهم وخاطبهم قائلا: أن الذهب كله لا يتساوى مع رغيفا واحدا ينقذ حياة الذين يتضورون جوعا منذ أياما وخصوصا النسوة المرضعات والأطفال أرجعوه معكم لأننا لسنا بحاجة أليه في هذه الصحراء) وعلى الرغم من أن أولئك الأخوان لم يكونوا على علم بأننا وصلنا في تلك الدرجة من العوز والفقه فقد تأثروا غاية التأثر وطيبو خاطر الأمير وقرروا أن يبقى السيد القوتلي عندنا لنتباحث في إيجاد حل لمثل هذه الأزمة المعيشية التي كنا نعاني منها. في حين عاد العظمة والشر باتي وأديب خير من فورهم إلى عمان ليرجعوا في اليوم التالي ومعهم عدة سيارات مليئة بأكياس الطحين والمواد الغذائية الأخرى التي وزعت بالتساوي على اسر المجاهدين وذلك بالإضافة إلى مقادير العلف للماشية والدواب.

لقد كانت أخبار ما يجري في سوريا ترد إلينا تباعا في الصحف أو عن طريق من كان يزورنا ويتفقد أحوالنا من الأخوان فمن تلك الأخبار قيام الكتلة الوطنية على أنقاض حزب الشعب والاستقلال اللذين كانا اكثر أعضائها خارج الوطن يوم ذاك وقد انتمى إليها بعض المستقلين وموافقة المفوض السامي (بونسو) على انتخاب جمعية تاسيسية تضع دستورا للبلاد فتراجع بذلك عن شروط المفوضية السابقة التي كانت تقضي باستلام الثوار قبل البحث بهذه الأمور وقد فاز مرشحو الكتلة الوطنية بأكثرية مقاعد الجمعية في الانتخابات ثم حصلوا على أغلبية ساحقة عندما تشكلت لجنة وضع الدستور. ولكن ما أن انتهت هذه اللجنة من وضع مشروع الدستور وتقرر موعد عرضه على الهيئة العامة للجمعية في 7 آب 1928 حتى تدخل المفوض السامي وطلب حذف ست مواد منه والتي لها أهميتها البالغة في تأكيد وحدة البلاد واستقلالها. ولما رفضت الجمعية طلبه في الجلسة المنعقدة بتاريخ 10 آب 1928 اصدر قرارا بتأجيل جلساتها لمدة ثلاثة اشهر ثم انتهى به الأمر إلى تعطيلها إلى اجل غير مسمى. فذلك ما آثار اهتمامنا وجعلنا نوجه دعوة إلى المجاهدين المقيمين في مصر والأردن لحظور المؤتمر الوطني الذي قررنا عقده بوادي السرحان في 25 تشرين الأول عام 1928 حضره معنا عدد كبير من المجاهدين الذين قدموا من الأردن وفلسطين وخاطبهم في كلمة الافتتاح قائلا (وليعلم المستعمرون أن المناورات والمؤتمرات لا تنفهم ولن تجديهم شيئا أن الشعب مصمم على الصمود وألوية النصر معقودة له بأذن الله في النهاية. وكلما ازداد الفرنسيون ظلما وطغيا في البلاد ازددنا نحن تمسكا بحقوقنا المشروعة العمل والصبر على مكاره التشرد والحرمان).
ومن الحوادث المروعة التي عشناها بوادي السرحان وكان لها اثر بالغ في نفوس الثوار الحادثة التالية:

خرجت مبكرا من منزلي صبيحة أحد أيام الربيع قاصدا التنزه في مكان مجاور تكثر فيه شجيرات (الرنم) والأنصع وإذا بإعرابي يقطع البادية على ذلول فلما رآني توجه نحوي وحيياني وقال: أريد سلطان قلت له (ماذا تبغى من سلطان تكلم وأنا أوصل أخبارك أليه) قال أنا قاصد سلطان بالذات واحب أن أراه بعيني أكلمه بنفسي قلت له نكلم أنا سلطان… فنزل عن ذلوله وصافحني بحرارة وقال مضى يومان وأنا في طريقي إليك لاعلمك أن فرحان بن مشهور (من شيوخ عنزة الرولا) قد قرر غزوكم بستماية مردوفة (أي بألف ومائتي مقاتل يمتطون ستماية ناقة أو جمل) وقد أرسلني (بشير بن ضبيعان) الشراري نذيرا كيلا لا يأخذكم الغزاة على حين غرة ولتكونوا على أهبة الاستعداد لمقابلتهم خارج منازلكم…)هدأت من روعه وعدت به إلى البيت ليتناول معي طعام الفطور ثم قلت له: (سلم على بشير وقل له ابن مشهور لا يجرؤ على غزونا.. وإذا كابر وظل مصمما على ذلك فسوف لا ينال بغيته ولن يفرح بما سيأتي من اجله. وما أن غادر الإعرابي منزلنا حتى دعوت المجاهدين إلى اجتماع طارئ وكان عددهم يوم ذاك لا يتجاوز ثلاثمائة مسلح فأحطتهم علما بالأمر ورحنا نعد العدة لمقابلة فرحان بن مشهور.
لقد مرت بنا محن قاسية وخضنا معارك ضارية لم نشعر ونحن نواجهها بثقل أعبائها وجسامة مسؤولياتها كما بدا الأمر لنا ونحن نستجمع قوانا المادية والمعنوية لمواجهة تلك الغزوة الهمجية المفاجئة. اجل لقد هالنا الأمر وبتنا عاجزين تماما عن تعليل أسباب ذلك التدهور الأخلاقي المستمر في مجتمعنا العربي وكنا نتساءل: هل لفرحان بن مشهور وأشباهه علاقات مشبوهة مع دوائر الاستعمار الفرنسي العليا في الشرق فأغرتهم بنا ودفعتهم لغزونا. وبعد أن رفضنا عروضها بالاستسلام على أساس الاكتفاء باستقلال الجبل وتأكد لها إصرارنا على تحقيق مبادئ الثورة بكاملها, كنت أ ضن وأنا اقلب اوجه النظر في تلك المسائل مع بعض القادة ورفاق الجهاد أن حالة البؤس والعوز والفاقة التي أل أمر المجاهدين إليها في وادي السرحان بالإضافة إلى النقص الكبير في عدد الخيول الأصيلة ومخزون العتاد والذخيرة التي كنا نشكو منه وصعوبة تعويضه نظرا لضعف قدرتنا الشرائية بصورة عامة… أن كل ذلك سيكون له أثره الفعال في مجرى المعركة فأخذت تنتابي الهواجس وأنا أتخيل النهاية المفجعة التي سننتهي إليها نحن وسائر أطفالنا ونسائنا في تلك الصحراء النائية وإذا ما قدر لنا أن نعجز عن صد أولئك الغزاة الشرسين ومع ذلك فلم يتظاهر أحد منا بتلك المخاوف والظنون خلال الاجتماعات آلتي كنا نتدارس فيها مع بقية المجاهدين الخطط الدفاعية الكفيلة بدحر المعتدين. مكثنا بضعة أيام ونحن على تلك الحال من القلق الممض والتأهب المستمر وإذا بطلائع الغزاة قد بدأت تطل علينا من جهتي الجنوب والشرق مثيرة في سيرها الحثيث غبارا كثيفا حجب عن كمائننا الاستطلاعية الرؤية الواضحة. وما هي إلا دقائق معدودات حتى ضج المكان بأهازيج رجالنا الحربية ونخواتهم المثيرة التي كانت تسمع كقصف الرعد من بعيد وبصيحات نسائنا اللواتي خرجنا من المنازل وبعضهن يحمل السكاكين والخناجر بقصد اثارة الحماسة في نفوس المقاتلين حتى الأطفال الذين لم تتجاوز اعمارهم الرابعة عشر قد استنفروا وتهيأيو لقذف أنفسهم في أتون المعركة غير هيابين. أما أعيان المجاهدين وقادتهم فقد اخذ كل منهم يتوسط مجموعة مقاتلة لينقل إليها تعليماته الأخيرة المقررة التي يتوجب بعضها عدم التراجع قيد أنملة عن الموقع المخصص لكل منها ولو بقيت لوحدها في مواجه الغزاة ويقضي بعضها الآخر تنفيذ خطة هجومية صاعقة تقوم بها مجموعات ثلاث صغيرة من الخيالة لضرب ميمنة الغزاة وميسرتهم ومؤخرتهم في أن واحد عندما يحمي وطيس القتال كما سارع فريق مدرب من أبطال المجاهدين إلى مرا بض الرشاشات الثقيلة (الهوشكيس) التي أقيمت في مواقع مناسبة على أمل أن يكون دورهم رئيسيا حاسما في تقرير مصير المعركة وفيما كنا نتخذ تلك الإجراءات ونقوم بتلك الاستعدادات وسط ذلك الجو الصاخب من الأهازيج الحربية والنخوات الحماسية وإذا بنا نفاجأ قبل أن ينتصف النهار بانسحاب القوم من مواقع تجمعهم وتواريهم عن الأنظار في أعماق الصحراء… قيل لنا فيما بعد إن فرحان بن مشهور قد هاله ما كنا عليه من يقظة وحسن استعداد لمقابلته فتحول عنا خشية أن يصاب بهزيمة نكراء وقصد فريقا من قبيلة الشرارات يتزعمه (بخيت درويش) وتقع مضاربه على بعد عشرة أميال من منازلنا بالتقريب فنال منه واستولى على ابله وأغنامه.
وفي أعقاب تلك الحادثة أغارت عشيرة أخرى من الشرارات على مراعي ابلنا فاستساقت عددا منها قبل أن يتمكن الرعاة من إيصال الخبر إلينا فعقدنا اجتماعا مع بعض المجاهدين يقرر فيه إرسال حسين العطواني وكنج شلغين للاتصال بحاكم الجوف الأمير عبد الله الحواسي أحاطته علما بذلك ثم وجهنا وفدا آخر إلى مدينة الرياض برئاسة آخي علي وعضوية معذى الدهام ونزال أبو شهيل فقابلو ابن مساعد أمير نجد واستعادوا بواسطته الإبل المسلوبة من قبل الشرارات وقد اعتذر هؤلاء عن فعلتهم بقولهم: لقد توهمنا أن الإبل عائدة إلى أهل الجبل من البدو الذين لنا ثارات قديمة عندهم..أما بنو معروف فمعاذ الله أن نسطو على ابلهم.
غير أن ابن مساعد هذا لم يلبث أن أرسل قوة بقيادة سالم الشيخ لترحيلنا إلى داخل المملكة بحجة المحافظة علينا وتجنبنا خطر العشائر البدوية المعادية لنا فلم نوافق على ذلك وقلنا للأمير المذكور أننا نفضل الإقامة هنا في الحرّوالقرّ على سكن المدن والتمتع بالحياة الهادئة وسوف نتحمل أشقى أنواع شطف العيش والحرمان كيلا ننسى قضيتنا ونتراجع عن أهداف ثورتنا. ولما أصر الرجل على تنفيذ مهمته بعناد وتصميم طلبنا منه مهلة قصيرة ندرس خلالها أوضاعنا ورغبات رفاقنا فاستجاب لطلبنا بعد أن استشار رؤساءه وسارعنا بإرسال وفد مؤلف من محمد عز الدين وقاسم الحسنية وفواز حاطوم إلى الحجاز حيث حظوا بمقابلة العاهل السعودي الذي أحاطهم بعناية وتكريمه. أصغى باهتمام إلى جميع القضايا والأمور التي عرضوها على جلالته, ولكنهم لم يلمسوا منه تغيرا في سياسة حكومته المقررة. ولعل أسباب إصرار السلطات السعودية على ترحيلنا من مكان تجمعنا بالنبك وتوزيعنا في المناطق الداخلية للملكة هي الآتية:
1. الصلات الحسنة التي كانت قائمة بيننا وبين الأسرة الهاشمية منذ نشوب الثورة العربية الكبرى وكذلك علاقاتنا مع عشائر بني صخر وبوجه خاص مع شيوخ العشائر الأردنية كحديثة الخريشا ومثقال الفايز اللذين كانوا غير موالين للأسرة السعودية وسلطان العدوان وحمدي ابن جازه وآخرون وقد قدموا معونة تقدر بحمل اكثر من ثمانين جمل تموين.
2. ثورة الشيخ ابن رفاده في بلاد نجد وتخوف السعوديين من أن نلعب دورا مماثلا لحساب الهاشميين بوادي السرحان.

3. الاستجابة لضغط الدبلوماسية الفرنسية في الشرق التي كانت ترى إنها لا تقوى على قهر الحركة الوطنية المناوئة للانتداب الفرنسي داخل سورية ما دامت على اتصال مستمر بهيئة أركان القيادة العليا للثورة في وادي السرحان وبالشخصيات السياسية التي كانت تعمل بالأردن وفلسطين ومصر والمهجر لصالحها وصالح الثورة السورية الكبرى.

فوجب أذن العمل على إيجاد تقارب فرنسي سعودي على غرار التقارب الإنكليزي الهاشمي ليقوم بنوع من التوازن بين القوى المتصارعة في الشرق يكفل للملكة العربية السعودية الناشئة أسباب قوتها ومنعتها وبخاصة بعد أن ازدادت الروابط السياسية متانة بين الإنكليز والهاشميين بتتويج الملك فيصل ملكا على العراق. وبذلنا جهودا صادقة لإقناع الملك عبد العزيز والسلطات السعودية بان إقامتنا في وادي السرحان لا تتعدى اللجوء السياسي وان الواجب يدعونا إلى التزام الحياد التام بالنسبة للنزاع الهاشمي – السعودي وان مصلحتنا الشخصية تقتضي ذلك بالإضافة إلى مقتضيات المصلحة العامة وبان كل ثورة أو حركة عصيان على النظام القائم بالسعودية نستنكره ونعتبره خيانة وطنية تستوجب العقاب الصارم وبان صداقاتنا لحديثة الخريشي ولغيره من شيوخ العشائر الأردنية لا تعني تحالفا مقصودا به مناهضة الأسرة السعودية. ولما باءت جهودنا تلك بالفشل وظل الشك بأمرنا يساور المراجع العليا. قررنا إيفاد يوسف العيسمي إلى الحجاز لمقابلة جلالة الملك عبد العزيز وإعطائه الأدلة الثابتة على حيادنا واحترامنا لقوانين اللجوء السياسي وأدبه. فحاول الدخول إلى الحجاز عن طريق مصر ولكن السلطات السعودية رفضت السماح له بذلك بحجة انه من الأشخاص غير المرغوب فيهم فاخذ يتصل عندئذ بالزعماء المصريين شارحا لهم أحوالنا السيئة بوادي السرحان والأوضاع المؤسفة التي آل إليها امرنا مناك وكان الصحفيان تيسير ذبيان وعباس المصفي يرافقانه في تنقلاته بين القاهرة والإسكندرية فقابل بالقاهرة مصطفى النحاس باشا واحمد زكي باشا ومحمد علي الطاهر كما زار أمير الشعراء احمد شوقي ونقل أليه شكرنا على الأبيات الرائعة التي وصف الدروز فيها بقوله في قصيدته الشهيرة التي نضمها في أعقاب ضرب الفرنسيين لمدينة دمشق عام 1925:

سلام من صبـــا بردى ارق …. ودمع لا يكفكف يا دمشق
وبي مما رمتك به الليــالي …. جراحات لها في القلب عمق
صــلاح الدين تاجك لم يجمل …. ولم يوسم بازين منه فرق
رباع الخلد ويحك ما دهاهـــا …. أحق إنها درست؟ أحق؟
وللمستعمرين وان ألانـــــوا …. قلوب كالحجارة لا ترق
دم الثوار تعرفه فرنــــــــسا …. وتعلم انه نور وحق
وللأوطان في دم كل حــــــر …. يد سلفت ودين مستحق
وللحرية الحمراء بــــــــاب …. بكل يد مضرجة يدق
جــــزاكم ذو الجلال بني دمشق …. وعز الشرق أوله دمشق
نصرتم يوم محنة أخــــــاكم …. وكل أخ بنصر أخيه حق
وما كان للدروز قبيل شـــــر …. وان اخذوا بما لم يستحقوا
ولكن ذادت وقراة ضيـــــف …. كينبوع الصفا خشنو ورقوا
لهم جبل أشم شــــــعاف …. موارده في السحاب الجون بلق
لكل لبؤة ولكل شـــــــــبل …. نضال دون غابته ورشق
كأن السموأل فيه شــــــــيئا …. فكل جهاته شرف وخلق
(ألقيت عام 1926)

فأجبه أمير الشعراء قائلا: يستحق الدروز المدافعون عن وطنهم وشرف أمتهم أن يهتم بهم الأدباء والمؤرخون وان يخلد الشعراء ذكرى أعمالهم المجيدة.

وفي الإسكندرية قابل الأمير عمر طوسون وحاول إقناعه بتحويل التبرعات التي جمعت بمصر باسم ثورة الأمير محمد عبد الكريم الخطابي إلى أطفال المجاهدين بوادي السرحان فلم يستجب لطلبه. وقد حاولنا في تلك الأثناء أيضا أن نتصل بفؤاد حمزة كتابة ليبذل ما بوسعه من جهود لدى الحكومة السعودية في سبيل تبديد تلك التهم والشكوك التي كانت تحوم حولنا وتسبب لنا المتاعب المشار إليها فأجابنا بكتابه هذا نصه:

تحية وتكريما وبعد, فقد تشرفت بكتابكم وسعيت بواسطة بعض رجال جلالته بما كلفتموني به ولي الرجاء بان تجاب رغائبكم وقد فهمت أن سبب هذا الأمر هو خطيئات وقعت من بعض أناس هناك أساءت جلالته فالأمل أن لا يمكن أحد أن يصد منه ما يعكر الخاطر وارى من اللائق إجراء ما يلزم مقابلة أو مراسلة _ لإزالة سوء التفاهم وتأييد الولاء واستجلاب عطف جلالته ويمكنكم تأمين الاتصالات التي كان يوسف العيسمي قد قام بها في مصر فقد رأينا أن ينضم اثر عودته إلى آخي زيد وعلي عبيد اللذين أنطنا بهما مهمة الاتصال بأعضاء حزبي الشعب والاستقلال في عمان والقدس وبغيرهم من الشخصيات العربية التي كانت تعمل في نطاق المؤتمر السوري الفلسطيني ليعملوا جميعا على إيجاد حل مناسب للازمة التي كانت تواجهنا نحفظ بها كرامتنا ويجنبنا الصدام مع إخواننا وبني قومنا في السعودية.

وفي أعقاب ذلك سافر شكري القوتلي على متن طائرة خاصة إلى الحجاز واجتمع بالملك عبد العزيز من فوره والتمس منه وقف الإجراءات المتخذة ضدنا وعدم التضييق علينا وإعطائنا حق اختيار المكان المناسب لسكننا في بلاده ثم أخذت البرقيات تتوارد على العاهل السعودي من سورية وبعض البلدان العربية دعما لوساطة القوتلي كان في جملتها برقية من هاشم الأناسي جاء فيها ما خلاصته ومؤداه:
أن معاملة سلطان الأطرش القائد العام للثورة السورية الكبرى ورفاقه المجاهدين بالحسنى لمن الواجبات التي تمليها علينا روابطنا الدينية والقومية نأمل من جلالتكم أن تشملوهم برعايتكم وان تعملوا على حفظ حياتهم وصيانة كرامتهم ما داموا مستأمنين في رحاب بلادكم العامرة.

لقد كان لتلك المساعي الحميدة أثرها الإيجابي في نفس العاهل السعودي فلم نلبث أن شعرنا بشيء من الطمأنينة اثر ذلك مما ساعدنا على الاستقرار…
وفيما يتبع مجموعة من الصور اثناء استقبال الثوار في دمشق امام فندق عمر الخيام في ساحة المرجة وتجمع جماهيري كبير احتفالا بعودة الثوار بجانب نهر بردى ومن على جسر فكتوريا وصور اخرى للثوار في واحة الازرق في الاردن وايضا في وادي السرحان في السعودية…
الطوبى والفخار والرحمة لأولئك الابطال الميامين الخالدين صانعي الامجاد والنصر والذين نعيش بسطع سمو افعالهم….

بدون تعليقات

اترك رد