حلب.. بين خيط الدماء وخيط الكذب!

1056

أياد حرفوش

كاتب ومحلل مصري

ترى الصحافية ناتالي نوجايرد في صحيفة الغارديان وتحت عنوان “ما يجري في حلب غداً سيشكل مستقبل أوروبا” أن تحرير حلب المحتمل من ميليشيات الإرهاب لو سقطت حلب ستأخذ دائرة الحرب المفرغة في سورية منعطفاً جديداً، هزيمة المتمردين ضد الأسد والذين سيطروا على المدينة جزئياً منذ ٢٠١٢م، لن تترك قوات فاعلة على الأرض السورية سوى قوات الأسد وداعش” لتفرغ لأن هذا الوضع سيجعل انتصار الدولة السورية وحليفها الروسي حتمياً

لو سقطت حلب ستأخذ دائرة الحرب المفرغة في سورية منعطفاً جديداً

لو سقطت حلب ستأخذ دائرة الحرب المفرغة في سورية منعطفاً جديداً
نشرت صحيفة الغارديان البريطانية في ٥ فبراير/ شباط ٢٠١٦م مقالاً للصحافية “ناتالي نوجايرد” بعنوان “ما يجري في حلب غداً سيشكل مستقبل أوروبا”.. في مطلعه عبرت الكاتبة عن تحرير حلب المحتمل من ميليشيات الإرهاب بقولها “لو سقطت حلب، ستأخذ دائرة الحرب المفرغة في سورية منعطفاً جديداً، هزيمة المتمردين ضد الأسد والذين سيطروا على المدينة جزئياً منذ ٢٠١٢م، لن تترك قوات فاعلة على الأرض السورية سوى قوات الأسد وداعش” لتفرغ لأن هذا الوضع سيجعل انتصار الدولة السورية وحليفها الروسي حتمياً، وتسهب بعد ذلك في بيان انعكاسات النجاح السوري المدعوم روسياً على توازنات القوة داخل القارة العجوز.. هكذا تعرف أولويات عدوك من سقطات لسانه وقلمه. معروف أن من تسيطر على أجزاء كبيرة من حلب وريفها منذ ٢٠١٢م هي جبهة النصرة، تلك التي استهدف المحور اليورو-أميركي مع أذنابه الإقليميين دوماً تلميعها وغسيل سمعتها بلعبة التمييز بين إرهابي وسوبر إرهابي، وقاعدي وما بعد القاعدي. بينما أصرت روسيا دوما على وسمها بسمتها الحقيقية كجماعة إرهابية تعلن مباشرة ولاءها للقاعدة، وتقاد من خراسان، ومازالت النصرة تسيطر اليوم على مناطق مفتاحية استراتيجياً نحو الشمال والشمال الشرقي، وحلب في قلبها، ولذلك فهي الرهان شبه الأخير للمحور اليورو-أميركي وفرعة المحلي، المحور الترك-سعودي.
خيط الكذب، عندما لا يسمع أحد عن تفجير المشافي والمساجدمع ذياك المقال نشرت الإارديان صورة لطفل مرعوب وسط الركام يعانقه “إرهابي حنون” فمن صنع الركام؟ ومن رسم خيوط الدماء؟ لا يهم.. فخيط الكذب يوجه مسار خيط الدم حيث يريدون حلب، مدينة المال والأعمال السورية، حاضرة بني حمدان ودرة أبي فراس وسيف الدولة، تلك التي قال عنها المثل السوري “الشام بمياتها وحلب بأكلاتها وحمص بصبياتها”، كيف وصلت لتحذير الأمم المتحدة في شباط/ فبراير الماضي بمجاعة في ريفها؟ على يد من ذاقت الجوع والعطش منذ ٢٠١٢م؟ ألم تتبن جبهة النصرة جهاراً نهاراً تفجير مشفى الحياة في ٢٢ فبراير/ شباط ٢٠١٣م، وتقتل ٣٠٠ ضحية في هذا المشفى بدم بارد.. من فجر بعدها مشفى الكندي في حلب كذلك في ديسمبر/ كانون أول ٢٠١٣م؟ هل سمعت من قبل عن تلك التفجيرات؟ هل شاهدت صور الضحايا على قنوات الميديا العالمية؟ أبداً، من فجر مسجد حي باب الفرج اليوم الجمعة ٢٩ إبريل/ نيسان على رؤوس المصلين به؟ لا يهم.. المهم هو صناعة حالة من التعاطف مع الإرهاب بتسميته “معارضة معتدلة” أو “متمردين” أو “ثواراً”.. ثم ربط المعركة أمام المواطن الأوروبي بمصالحه المباشرة، بهذا يكون لديه مبرر أخلاقي ودافع برجماتي للانحياز للإرهاب في آن واحد. ولعمر الحق فقد نجحوا في هذا نجاحاً كبيراً.
مشفى القدس.. خطوة نحو المنطقة الآمنة المزعومة لن نكون مثل الميديا المعادية التي تهون الدم حينا وتعظمه حيناً، ولن نكون مثل أطباء بلا حدود التي وضعت لنفسها حدوداً هي حدود المؤامرة على سوريا، هناك ضحايا في مشفى القدس، ولكن من قتلهم؟ ولا أدعي هنا معرفة قطعية بشيء، ولكن لدي قراءة بالحد الأدنى للدوافع والمعطيات، فلنتابعها سويا، ولنبدأ بالمعطيات:1  يقع المشفى في المناطق التي تسيطر عليها الجماعات المسلحة، والادعاء المقدم من منظمة أطباء بلا حدود ومن إرهابيي النصرة أن الطيران الروسي تحديداً هو من قصف المشفى.2 نفى “إيجور كوناشينكوف” المتحدث باسم وزارة الدفاع الروسية أن يكون الطيران الروسي حلق الأربعاء الماضي فوق تلك المنطقة، وقال بأن طائرة تابعة لتحالف الولايات المتحدة تمّ رصدها وهي تحلق في سماء المنطقة يوم الأربعاء. ستقول أنه زعم يسهل تكذيبه، فأجيبك، لهذا السبب تحديداً أستبعد أن يكون كاذباً، لأن تصويراً واحداً لطيارات روسية تحلق وتقصف المشفى يكذبه، لكن مثل هذا التصوير لا يوجد حتى الآن، ولأن بوسع قوات التحالف الأميركي أن تنفي تحليق طائرة تابعة لها ولكن ذلك لم يحدث كذلك حتى الآن.مازال الوقت مبكراً إذا لتحديد الفاعل وفقا للمعطيات، ولكن ربما كانت الصورة مختلفة قليلا ببحث الدوافع، وحول تلك الدوافع نرصد ما يلي من تسلسل أحداث..1 ( في ٢ إبريل/ نيسان الجاري سيطرت النصرة على تلة العيس بريف حلب الجنوبي، وقام الجيش العربي السوري بهجوم مضاد ناجح واستعاد تلة العيس بعد أقل من أسبوع.2) في ١٠ إبريل/ نيسان أعلن رئيس الوزراء السوري وائل الحلقي في كلمة أمام مجلس الدوما الروسي أن الجيش يستعد لعمليات تحرير حلب بمساندة جوية روسية، وبعد أربعة أيام شنّ الجيش العربي السوري والقوات الرديفة هجوما بريف حلب الشمالي لقطع طريق الكاستيلو الحيوي في إمداد العصابات المسلحة، وبعد يومين استرد حي صلاح الدين.3 ) في مؤتمرها الصحفي مع أوباما في ٢٤ إبريل/ نيسان، كررت أنغيلا ميركل ما قالته في تركيا، من أنها تؤيد إنشاء مناطق آمنة غير تقليدية للمدنيين شمالي سوريا، ومعروف أن الهدف من تلك المنطقة الآمنة المزعومة هو تأمين وصول الإمدادات التركية للنصرة وأخواتها عبر الشمال السوري، وإجهاض مشروع قطع اليد القذرة.4( في نفس يوم قصف المشفى، الأربعاء الماضي، وصل ٢٥٠ جندي أميركي لقاعدة الرميلان شمالي سورية.وهكذا فالصراع حالياً ومستقبلاً بين سوريا وحلفائها في جانب، وبين الولايات المتحدة ومحورها في جانب، سيكون حول قطع شريان الحياة التركي الممدود لذراع الإرهاب في الشمال السوري، الخطة السورية – الروسية تقوم على استثناء النصرة من أي تهدئة أو مفاوضات، ومن ثم المضي قدماً في تحرير حلب، والخطة اليورو- أميركية التركية السعودية تقوم على إنشاء منطقة ملغومة – يسمونها آمنة – لضمان استمرار تلك اليد، فمن يكون من مصلحته اليوم في ظل هكذا وضع ميداني أن يقصف مشفى القدس؟ هل هو الطرف الذي يتحرك ميدانياً بنجاح، فيخلق تهويلاً عليه وعلى حلفائه؟ أم هو الطرف الذي يريد تمهيد الطريق لمنطقة آمنة؟  الدم السوري العزيز والبريء يسفك منذ خمس سنوات كل يوم، لكن هناك أيام يهتم بها العالم ثم يغضّ الطرف أعواماً.. ستحدثني عن الديمقراطية والشمولية.. سورية الدولة المدنية المستقلة التي لم تكن مدينة بدولار واحد لمخلوق لم تكن أكثر دولنا شمولية، لكنها كانت أكثرها استقلالية اقتصادية وسياسية، وعندما يتحدث الغرب اليورو- أميركي عن حقوق الإنسان فابحث عن الحقيقة في مصالحه ومضاره.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً

بدون تعليقات

اترك رد