«آكيتو» يعود إلى سوريا: أهلاً بالربيع

374

لم تمنع الحربُ السوريين من إحياء احتفالات قديمة كانت حتى وقت قريب غير معروفة بالنسبة لكثيرين، برغم أنها تعتبر جزءاً من الحضارة السورية التي يعود تاريخها إلى نحو سبعة آلاف عام، وتعتبر من مظاهر وتقاليد الحضارة السورية العريقة.
«آكيتو»، أو «عيد الربيع»، هو الاسم الأول للاحتفالات السورية بمناسبة رأس السنة السورية التي بلغت مع حلول شهر نيسان الحالي عامها الـ 6766، وهو ما تمت إعادة إحيائه هذا العام بشكل رسمي عبر إطلاق مهرجان سنوي حمل اسم «مهرجان التراث السوري»، شمل معظم المحافظات السورية.
لـ «آكيتو» حكاية أسطورية تعتبر من جذور الحضارة السورية. هو احتفال بحلول رأس السنة الذي يتوافق مع حلول شهر الربيع من كل عام، وهو أقدم عيد مسجل في تاريخ الشرق، وأقرب إشارة له كانت في منتصف الألفية الثالثة قبل الميلاد في مدينة أورو. وكان «آكيتو» يقام لإله القمر السومري «نانا»، وكان الاعتقاد السائد أن هذه المناسبة تحمل قداسةً ممزوجة بجمال وهدوء الطبيعة، ما يجعلها أفضل فرصة لإقامة شعائر الزواج المقدس، حيث سرى الاعتقاد بارتباط هذا الحدث بالخصوبة أيضاً.
وتطور هذا العيد من احتفال زراعي إلى عيد وطني سنوي للسنة الجديدة، مع تطور الحضارة السورية. وتفيد دراسات ميثيولوجية بأن الاحتفالات بمهرجان الاعتدال الربيعي كانت كبيرة جداً، لدرجة أنها انتشرت في جميع أنحاء البلاد في تلك الحقبة، فلكل مدينة احتفالاتها المعتمدة وفقاً لشعائر الآلهة الرئيسية التي تعبدها، وهو الشكل الذي قررت تبنيه وزارة السياحة السورية، مطلقةً مهرجانها السنوي في معظم المحافظات، لتشمل الاحتفالات مختلف أنواع الفنون الغنائية والراقصة والمعارض الفنية وحتى الحرفية، وغيرها من الألعاب الخاصة بالأطفال.
وفي هذا السياق، يقول وزير السياحة المهندس بشر يازجي إن «هذا المهرجان لم يتم بهدف الاحتفال بحدث يغرس جذوره في اعماق التاريخ ليدل فحسب أننا فوق هذه الأرض منذ أكثر من 6700 عام، بل هو دلالة أخرى على أننا بناة حضارة عمرها يزيد على ذلك».
ولا يخفي الوزير السوري فخره بإطلاق النسخة الأولى من هذا المهرجان بشكل رسمي. ويستطرد خلال حديثه إلى «السفير» قائلاً إن «احتفالنا، وإن حمل في الأساطير القديمة كماً كبيراً من المناسبات المتزامنة، يبقى اسمه رأس السنة السورية: الحدث الجامع لإحساسنا بعمق هويتنا وضرورة ارتباطنا بها وإدراكنا العميق، وخاصةً على صعيد القاعدة الشعبية المتسعة كوننا لسنا طارئين على الزمان والمكان، واننا نستمد قوتنا اليوم من أصالة امتداد جذورنا وعمقها»، موضحاً أن «ارتداء هذه المناسبة شكلها الاحتفالي والمهرجاني، فهذا يعود إلى إصرارنا وإصرار شركائنا في ما نقدمه اليوم، على أن السوري معطاء مبدع خلّاق يجترح كعادته الفرح والحياة من رحم اليباس والجفاف، ويشرق كما شمس الربيع من رحم كل عاصفة».
في النسخة الأولى الرسمية من المهرجان، تفاوت الإقبال بين محافظة سورية وأخرى. وقد تكون بعض تفاصيل المهرجان ضاعت بسبب الحرب وآثارها، إلا أنه من المؤكد أن استمرار المهرجان سيكون له وقعه، خصوصاً أنه يرتبط بالإنسان السوري كإنسان أولاً، إضافة إلى أنه يتزامن مع حلول شهر الربيع، شهر الخير بالنسبة للسوريين، وهو ما أشار إليه وزير السياحة السوري بقوله إن «كل فعلٍ نقوم به هو فعل صمود وتصدٍ، وفعل احتفاء بالانتصار على عدو الانسانية قبل أن يكون عدو الشعب السوري، وعلى قوى الظلام والتخلف والجهل والتطرف التي كانت وستبقى دخيلة على الحدث السوري وأصالته».
وفي العموم، يصعب تقييم النسخة الأولى من المهرجان من ناحية نجاحه أو فشله، لكن الكثير من السوريين يعتبرون أن مجرد إطلاق المهرجان وإعادة إحياء «آكيتو» هو نجاح، خصوصاً أن الاحتفال بهذا العيد بدأ العام الماضي بمبادرة شعبية وحزبية منفردة ذات طابع اجتماعي وثقافي حمل عنوان مهرجان «إرادة الحياة»، ما شكل حافزاً لكي ترقى هذه التجربة اليوم إلى مستوى الاحتفال بالربيع ورأس السنة السورية العتيقة تحت رعاية حكومية تراعي الشعبية كتمهيد ربما لتحويله إلى «عيد رسمي قومي» مُستقبَلاً، وفق آراء البعض.

بدون تعليقات

اترك رد